كتاب

«مئوية»... جمال عبدالناصر

تُشكِّل مئوية ميلاد جمال عبدالناصر، فرصة للمراجعة والتأمل في الفترة الزمنية التي برز فيها الزعيم الراحل, وخصوصاً طوال ثمانية عشر عاماً من عمر ثورة 23 يوليو 1952 التي برز لها فجأة «آباء» كثيرون، وبخاصة بعد رحيل عبدالناصر في الثامن والعشرين من ايلول 1970 وبدء مرحلة التراجع والنكوص والإنقلاب على تلك الفترة من عمر المنطقة العربية، التي يرى فيها كثيرون انها فترة ذهبية عاشتها القومية العربية وحركة التحرر الوطني العربية, وما استطاعت إنجازه من مهمات وأسست له من مشروعات وبرامج تنموية ذات طابع مُنتِج وتقدمي نجح بعضها, فيما افشل الإمبرياليون والصهاينة والمتربصون والمتآمرون ووكلاء الاستعمار قديمه والحديث.. معظمها، فيما يُعيب عليها البعض المَوْتور وبخاصة تيارات الاسلام السياسي وعلى رأسهم «جماعات» الاخوان المسلمين.. قمعها وانتهاكها الحريات وغيرها مما تحفل سيرتهم ومسارهم السياسي والفكري والتراثي وحتى تجاربهم في السلطة وبخاصة بعد ثورة 25 يناير (وقبلها سيطرة حماس على الحكم في غزة)... بالفشل، ناهيك عن التجارب التي يتغنون بها ويهجزون لها مثل تجربة اردوغان وحزب العدالة والتنمية في تركيا، دع عنك من يهيمون بحكمهم في دول عربية معروفة، وخصوصاً في الزعم ومحاولة الإدعاء بأنهم دعاة ديمقراطية وعدالة إجتماعية وشراكة وطنية والالتزام بتحالفات نسجوها للوصول الى الحكم او البرلمان او النقابات او الحكم المحلي, ثم ما لبثوا ان خذلوا حُلفاءهم ونقضوا العهود معهم.

الاحتفال بمئوية ميلاد جمال عبدالناصر ليس ذهاباً مقصوداً الى او غراماً بـ»نوستالجيا» قومية او غزلاً بتجربة يصعب استنساخها او استعادة ظروفها التاريخية، بقدر ما هي دعوة للمقارنة بين فترتين زمنيتين ما تزالان ماثلتان امامنا, بكل ما لهما وما عليهما ونقصد هنا الفترة التي سبقت وفاة عبدالناصر وتلك التي ما نزال نعيش فصولها المتدحرجة, في انهيارات وانكسارات وهزائم وتراجع للمدّ القومي والفكر الوطني التحرّري, لصالح قوى الرجعية والتخلّف التي ما تزال تُصرُّ على «الغَرْفِ» من تراث عقيم وسلفي ومتخلف, تريد تحت طائلة الارهاب الفكري والمادي, ان تطوّق رِقابنا وعقولنا وحياتنا به. وتواصل الزعم بانها انما تريد العودة الى الاصول والتمسك بالأصالة وأمجاد السلف المُتَخَيّلة وغيرها من الترّهات التي لا ينجحون في اقناعنا, بأن ارتباط خطابهم الظلامي هذا وتساوقه مع مصالح المستعمِرين والمحتلين والمتآمرين, ليس صدفة او مجرد «سهو» عابر، بل هو ارتباط عضوي بمشروعات وخطط, لم يعد ممكناً «تمريرها» على أحد وبخاصة ان هيمنة المستعمِرين والصهاينة في صعود, فيما مصالح العرب (دع عنك المسلمين) في تراجِع ونفوذهم (على تواضعه) في تآكل ووجودهم في خطر، فضلاً عما جسّدته مرحلة عبدالناصر من إنحياز للطبقات الشعبية الفقيرة وتطبيق للعدالة الاجتماعية وتمسك بالقطاع العام وطموح في التأسيس لمشروعات كبرى في الصناعة والقوة القومية والتحررية «الناعِمة» والبنى التحتية والزراعة والتعليم والطبابة وتعميم لقصور الثقافة وانتصار للثقافة التقدمية وتشجيع على الابتكار, وارتياد آفاق ومطارح وقضايا لم يكن يجرؤ احد على الاقتراب منها( من مسرح وسينما وإبداع) بذريعة خرق المحرّمات وتهديد السلم الإجتماعي وغيرها من المحظورات التي يبرع السلفيون والاصوليون في اختراعها والترويج لها وخلع «العصمة» والقداسة عليها.

بمقدور ناقدي ومنتقدي عبدالناصر وتجربته, ان يقولوا ما يريدون, ويمكنهم مواصلة «الطخ» عليه وتحميل عهده ما لا يحتمل, كعادتهم منذ ان رحل الزعيم الى جوار ربِّه, عندما تنكّر له كثير ممن كانوا ينافقونه ويسيرون خلفه, كما فعل انور السادات (كرمز من رموز الرِدّة وحامل معول هدم انجازات الحقبة الناصرية, والإرتماء في حضن الحلف الصهيواميركي)، لكن كل هؤلاء ليس بمقدورهم الاجابة عن سرّ هذا الحضور الطاغي والمتجدّد الذي هو عليه جمال عبدالناصر وتجربته، شخصه وخصاله وتواضعه وبساطته وصدقه. فيما هم يواصلون انحدارهم وتخيب آمالهم وتفشل محاولاتهم في إهالة التراب عليه, واعتبار «مرحلته» مجرد مرحلة عابرة كما هي مراحل الذين سبقوه, وخصوصاً الذين خلفوه سواء في مصر أم في غيرها من البلدان العربية. التي «ارتاح» بعضها بعد رحيل الزعيم وتخلّصهم من «صداع» الناصرية وأكلافها, التي لا يستطيعون دفعها او الانسجام معها, ام اؤلئك الذين حاولوا «وراثته» وارتداء عباءته وتقمّص شخصيته ودوره, لكنهم فشلوا في استقطاب الجمهور العربي,او إنجاز جزء يسير من انجازاته وهي عظيمة, او حتى تبني خطابه العروبي وتصديه للحلف الصهيوأميركي, فيما هم بالغوا في تضخيم ذواتهم, فبدوا كمهرجين اكثر مما نجحوا في البروز كزعماء وقادة. فكانت الكوارث والفجائع هي جُلّ ما خلفّوه من إرث بائس ما نزال ندفع أكلاف مغامراتهم وحماقاتهم وانعدام خيالهم وبؤس تفكيرهم.

لم يكن جمال عبدالناصر الذي يصادف اليوم مرور مائة عام على ميلاده, رجلاً يبحث عن ثروة أويربي ابناءه لوراثته مالاً وجاهاً وسلطة, بل زعيماً عروبياً مخلصاً وصادقاً انتمى لأمته وشعبه وانحاز لأغلبيته، نجح واصاب كما فشل واخفق, لكنه رحل بشرف.. لم يسرق ولم يتواطأ ولم ينهب او يتآمر او يخذل او يعقد صفقات مع الاعداء والمستعمِرين. لهذا كان «قدره» أن يتصدّى ويواجه المؤامرات واختلاق الاكاذيب والتشويه.. ومع ذلك ما يزال نجمه يسطع في الفضاءات العربية, فيما تخبو اضواء الذين خابت آمالهم في اغتياله او اغتيال تجربته أو الطمس على سيرته العطِرة..

سلام عليه يوم ولِد ويوم مات ويوم يُبعث حياً.

kharroub@jpf.com.jo