محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

شكراً يا حاميَ الديار وموضع الفخار

طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
أ. د. م. منذر حدادين

أود بادئاً أن أزجي الشكر الجزيل لجلالة الملك المفدى لإيفاده يوم 6/1/2018 إلى مدينة الميلاد مندوباً عنه هو وزير الداخلية للمشاركة في قداس عيد الميلاد المجيد للمسيحيين الذين تتحدد أعيادهم وفق التقويم الشرقي وهم جموع الأرثوذكس من أصحاب الطبيعتين (الروم) ومن أصحاب الطبيعة الواحدة (الأقباط والسريان والكلدان والأرمن وخلافهم). وكان جلالته قد أوفد يوم 24/12/2017 إلى نفس مدينة الميلاد وزيرة السياحة للمشاركة في قداس مماثل للمسيحيين الذين تتحدد أعيادهم وفق التقويم الغربي (اللاتين والروم الكاثوليك وجموع البروتستانت وخلافهم). وجدير بالذكر أن مسيحيي فلسطين لم يوحدوا الاحتفال بالأعياد كما فعل الأردن ذلك لأن المتسع في كنيسة المهد أو في كنيسة القيامة لا يكفي لتجمع المؤمنين من كافة الطوائف للاحتفال بالأعياد الموحدة. فشكراً لحامي ديارنا وموضع فخارنا وراعي مقدساتنا أطال الله بقاءه وأعز ملكه. وكان تعرض موكب بطريرك المدينة المقدسة الجزيل الاحترام كيريوس كيريوس ثيوفيلوس قادماً من مقره في القدس (المدارة من قبل إسرائيل) إلى بيت لحم (المدارة من قبل السلطة الفلسطينية)، تعرض موكبه في بيت لحم للتقريع والإهانة بل والاعتداء من قبل أشخاص ذكور وإناث أشك أنهم يعرفون اسم البطريرك الذي أصر أن يتبع موكبه الطريق التقليدي من البطريركية مشياً على الأقدام إلى ساحة باب الخليل ومنها بالمركبات إلى كنيسة المهد في بيت لحم.

ولقد برعت إسرائيل في خلط الأوراق لتجعل في عيوننا الأسود أبيضا، والمذنب بريئا والفاجر قديسا، ولا يرتاح لها بال قبل أن تعمل على إهانة بطريرك الروم الأرثوذكس منذ انتخابه بالإجماع وهو رأس كنيسة السيد المسيح القائل في اليهود: " يا أولاد الأفاعي! كيف تقدرون أن تتكلموا بالصالحات وأنتم أشرار؟" (متى 12:34(. فالبطريرك خاض ويخوض معارك قانونية ضد الصندوق القومي اليهودي أكبر مالك للأراضي في فلسطين صادروها من الفلسطينيين بقانون لم يجرؤ على العمل بمثله قراقوش، وضد المستوطنين الذين يجردون الفلسطينيين من حقوقهم بل ومن إنسانيتهم وكأنهم يثأرون منهم بدل أن يثأروا من النازيين الجدد المنتشرين في أوروبا وفي أميركا.

كسب البطريرك قضايا أقامها ضد الصندوق اليهودي وتحولت منها قضايا حقوقية إلى بضائع سياسية بيد حكومة ناتنياهو واجهها البطريرك الجزيل الاحترام بكل رباطة جأش، وطوّف من أجلها الآفاق بدءاً بالأفق الأردني أفق الرباط إلى آفاق إستانبول وقبرص واليونان والفاتيكان وإيطاليا وبريطانيا في طواف واحد أعقبه بطواف ثانٍ إلى روسيا الاتحادية للتحدث إلى الرئيس الروسي بوتن وإلى بطريرك روسيا. وشكا خلال طوافه تسييس إسرائيل لقضايا حقوقية بحته ولقي الدعم من جميع من التقاهم وأولهم الملك عبدالله الثاني وفقه الله وأيده. ولم نفاجأ بما شاهدناه على شاشات التلفزة وعلى وسائل التواصل الإلكتروني من شغب لأناس سدوا طريق البطريرك في مدينة الميلاد وعرفنا لاحقاً أنهم جاءوا من مخيم الدهيشه ومخيم العروب ومن داخل الخط الأخضر واختلط بهم قلة غرر ببعضهم من بيت ساحور وآخرى من بيت جالا ومن بيت لحم. وأثار الانتباه أن النساء المشاغبات كنّ يرتدين الحجاب للدلالة على أنهن من المسلمات!

وساقتنا المفاجأة لمتابعة الأمر ومعرفة ما الذي يريدون، فرأينا على يافتات بالعربية اتهامات للبطريرك وفوجئنا أنها ليست جديدة بل هي نفس الاتهامات التي أطلقتها أولاً جريدة الجيروسالم بوست اليهودية ثم تبعتها جريدة يدعوت أهرنوت، وكانت أخبار صدق لكنها حُرفت لخدمة أغراض مطلقيها. وهي أخبار لو دقق العرب فحواها ومجراها لرفعوا اليافتات هاتفين للبطريرك وهو الراعي الصالح. هي قصة قديمة جديدة عن مساحة 428 دونماً في القدس الغربية التي كانت أجِّرت للصندوق القومي اليهودي غصباً عام 1951 لمدة 99 سنة قابلة للتجديد تلقائياً (أي أن الأرض أصبحت بمثابة ملك لمستأجرها الغاصب)، واستعملها الصندوق لصالح الدولة الإسرائيلية الوليدة آنذاك في أغراض بنىً تحتية وبنايات رسمية من بينها منزل رئيس الوزراء والمحكمة العليا والكنيست، ومنازل وفلل في حي القطمون باعها الغاصب للنخب بأثمان مجزية. وجاء البطريرك الجزيل الاحترام وأدار شؤونها بطريقة أوقعت بين النخب الإسرائيلية مالكي الفلل وبين حكومتهم. لم يكن البطريرك طرفاً في التأجير الحكري إذ لم يكن قد ولد حينه، لكن ما أتى به البطريرك عام 2016 هو إدارة حصيفة من باب الممكن ومستأجرها هو المحتل للأراضي الفلسطينية منذ عام 1948.

ولما سارع مسيحيو بيت المقدس بالخروج إلى الساحات والشوارع إلى جانب إخوانهم المسلمين للتصدي إلى بوابات التفتيش التي وضعتها إسرائيل على مداخل الأقصى، ثأرت إسرائيل منهم (أي المسيحيين) وأرضت بذاك الثأر جموع المستوطنين الذين كانوا وراء وضع البوابات. إذ لقاء إزالتها حولت إسرائيل قضايا عقارات باب الخليل الأرثوذكسية المقامة ضد المستوطنين إلى بضاعة سياسية ضمنت بها حكماً قراقوشياً لصالح المستوطنين استحق الاستئناف من طرف البطريرك، كما استدعى طواف البطريرك الجزيل الاحترام في الآفاق المذكورة أعلاه.

ويشهد للبطريرك على أدائه الراقي في الدفاع عن أملاك الكنيسة (وليست كلها من صنف الوقف) القاصي من المخلصين الفلسطينيين والداني، وآخرها رئيس وأعضاء اللجنة الرئاسية في السلطة الفلسطينية (زهاء 14 شخصاً) المسؤولة عن أملاك الكنائس المسيحية، ويشيد بأداء البطريرك في هذا المضمار الجهات الرسمية المسؤولة في الأردن.

أعود الى مسرحية يوم السبت 6/1/ 2018 في مدينة الميلاد وتعرض موكب البطريرك الجزيل الاحترام وشخصه للإهانة لأذكر أن تصريحاً إسرائيلياً صدر ساعة الاعتداء على موكبه يقول إن جيش "الدفاع" الإسرائيلي على أهبة الاستعداد لاحتلال بيت لحم لحماية البطريرك! وكان خروج البطريرك من القدس مصحوباً بالفرق الكشفية ومظاهر الاحترام الواضحة، لكن موكبه تعرض لشغب جمهور في أراضي السلطة الفلسطينية بدا وكأنه من المسلمين (هكذا).

إن التصريح الإسرائيلي باستعداد جيشهم احتلال بيت لحم لحماية البطريرك لا يمر على الواعين من مجتمعنا. إن تعرض موكب البطريرك للإهانة والخطر في الأراضي الفلسطينية مباشرة بعد خروجه من القدس (الموحدة الإسرائيلية وفق ادعاء إسرائيل) بمظاهر الود والاحترام هي رسالة إسرائيلية للعالم، وخاصة الدول التي زارها البطريرك شاكياً إسرائيل، وفحوى الرسالة أن إسرائيل مستعدة لخوض حرب لحماية البطريرك الذي جاب البلاد يشكوها ويشكو ظلمها! وهي أيضاً رسالة للبطريرك كي يتوقف عن مقاومتها بل وكي تستطيع دون معارضة أن تستولي على أملاك من كنيسته دون معارضة. فالكنيسة الأرثوذكسية تملك آلاف الدونمات خارج أسوار القدس ناهيك عن حوالي 30% من الأراضي داخل الأسوار.

وتخدم البيئة المستجدة على تاريخنا إسرائيل في خلط الأوراق واختلاق أسباب التنازع الديني والشقاق المذهبي، وهي ليست بعاجزة عن ارتكاب كل هذه الآثام وقد صدق فيهم قول السيد المسيح المدرج أعلاه. وإذ أن أفعال إسرائيل لا تدهشنا فإن أفعال بعض أبناء جلدتنا ومحطات تلفزتهم وبيانات تجمعاتهم هي التي تدهشنا وتحدو بنا إلى الدعاء لهم جميعاً بالهداية والصلاح والفلاح. وهم لا يدرون أن ليس في صفوف الكنيسة من هو أكثر جرأة وشجاعة بل وثقافة وعلماً من البطريرك الحالي. وقد ألفْتُ من البطاركة في حياتي أربعة وألفت العديد من المطارنة والكهنة. إن الهجوم على البطريرك ثيوفيلوس أمر غير مبرر وأي هجوم عليه يصب أبداً في الصالح الإسرائيلي ونحن في مواجهة محتدمة مع خططهم ومع أقوالهم وأفعالهم.

بدأنا برفع الشكر للملك المفدى ووصلنا إلى حقيقة أن البطريرك بريء من اتهامات العدا براءة الذئب من دم يعقوب لكنه وموكبه تعرض للاعتداء والمهانه وهو القائد الديني الأردني حامل جواز السفر الأردني الديبلوماسي، وهو الأردني الوحيد بين القيادات الدينية المسيحية في المملكة. عسى أن تتقصى الحكومة الأردنية الأمر بالتعاون مع السلطة الفلسطينية وتتخذ الإجراءات اللازمة لردع المعتدين ومن وراءهم.

رأينا على شاشات التلفاز شخصيات تحمست في هجومها على البطريرك الرومي الأرثوذكسي، وأخرى تقطر منها وطنية عربية صرفة، ونحن نقول للمخلصين من أهلينا ما قاله سديف بن ميمون مولى بني العباس لأول خلفاء العباسيين، قال:

لا يغرَّنْكَ ما ترى من رجالٍ إنَّ تحت الضلوعِ داءً دويا

فضع السيفَ وارفع السوطَ حتى لا ترى فوق ظهرها أمويا

كما نقول لمن غرر بهم ما قاله طرفة بن العبد البكري:

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلاً ويأتيك بالأخبار من لم تزوِّدِ

ويأتيك بالأخبار من لم تبعّ لهُ بتاتاً ولم تضربْ له وقتَ موعدِ

حمى الله بلادنا وكفاها شرور العابثين الخاضعين للأعداء ولأشباه الأعداء، وهو الولي الحميد.

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress