كما أنَّ الشّمسَ تُشرقُ كلّ صباح، فلابدّ أن يزدادَ وزنُ إحداهنَّ أحياناً.. ولابدّ أن تشعرَ أخرى بإرهاق ما في المساء.. ولا بأس إن أجّلت فلانة قرار الإنجاب عاماً أو اثنين، أو بدت فلانة أكبر من عمرها بعد عمليّة التجميل الأخيرة!
أربعة مواضيع كانت تُناقشُ في وقتٍ واحد خلالَ جلسةٍ نسائيّة، كنتُ فيها مستمعةً صابرة مرابطة وناقمة أيضاً.. إذ لم أتمكّن من التقاط موضوعٍ واحد ممّا سبق ومتابعته، بقدْرِ ما كنتُ مضطرةً فيه لنقلِ نظري بين الوجوه والابتسام أحياناً، وافتعال التأثّر أحياناً أخرى، والتّعليق بكلماتٍ مقتضبة على عباراتٍ أسمعها، وأخرى تتلاشى وسط الصّخب..
ورانَ في المكان هدوءٌ نسبي أخيراً مع دخول ضيفةٍ جديدة برفقة ابنها الصّغير، بدت متحفّزةً ومرهقة في آنٍ معاً، ثمّ اتخذت مقعدها بيننا في حين طلبت من ابنها الجلوس بعيداً مشيرةً له بيدها إلى كنبةٍ في أقصى الصّالة.. فلفتني الطفل ذو السنوات التّسع كما قدّرت، إذ بدا شاحباً، ساهماً، حزيناً..
ودون مقدّمات انطلقت تشكو من مدارس آخر زمن ومن تعبها في ذلك الصّباح مع معلّمته حتى تمكّنت من تعديل علامته الأخيرة في العلوم من سبعة إلى تسعة من عشرة.. وعبّرت عن إحساسها بالخيبة كونه لا يُحصّل العلامات الكاملة في أيّ مادة رغم تفانيها اليوميّ في تدريسه!
كانت تتحدّثُ بانفعال، وهي تنظرُ بغضب نحو الصّغير كلّ مرّة.. ذاك الذي كان يزدادُ شحوباً وانكماشاً وضآلة في المقعد الكبير!
وفي حين ارتفعت الأصوات بالتّعليقات المتعاطفة مع موقفها، سرحتُ في ملامح الطّفل، فخطر لي أن أقومَ لأجلسَ بقربه، وأحتضنه لأهمسَ له: « ليست نهاية العالم أن لا تحصل على العلامات الكاملة في دراستك، أين هم الآن الذين كانوا يحرزون تلك المراتب؟ الذين غيّروا العالم نحو الأفضل كانوا مثلك في المدرسة يا صغيري، إن لم يكونوا أقلّ منك شأناً في جمع العلامات.. الحياة أرحبُ كثيراً ممّا نعتقد يا غالي، والتّفوّق الذي يُقاس بالأرقام تفوّقٌ هش سرعان ما يتداعى إن لم نملك أدواتٍ ومهاراتٍ أخرى لإدارة حياتنا نحو الأفضل والأجمل والأبهى.. أعلمُ أنّك لم تفهم شيئاً يا صغيري، ولا أنا أعي ما أقول.. أنا امرأةٌ غاضبة على شيء لا أعرفه!
كلُّ ما يُقلقني هذه الّلحظة هو شحوبك هذا.. يبدو أنّك لا تخرج للشّمسِ والهواء أبداً، تعودُ من مدرستك مرهقاً، تأكلُ لتبدأ في المذاكرة من جديد حتى المساء، لتعودَ وتستعدَّ للنّومِ وليومٍ آخرَ من العذاب!
أكادُ أجزمُ أنّك لم تلمس التّراب في حياتك، ولم تخدش ركبتيك في لعبة صبيانيّةٍ حلوة.. أكادُ أجزمُ أنّك لم تراقبَ سرباً من النّمل في حياتك، ولا عرفت ملمسَ الحشائش النّديّة التي تنبت بعد الشتوة الأولى على الأسوار الحجريّة.. أيُّ حياةٍ شاحبةٍ هذه التي فرضوها على طفولتك أيّها الجميل؟
وصحوتُ على صوتِ أمّه تتحدّثُ عن الامتحانات القادمة، وعن جزعها من أن تكون الأسئلة من خارج المنهاج.. فارتفعت الأصوات وساد الّلغط، واجتاحني شعورٌ بالاختناق.. فتوجّهتُ، دون تفكير، إلى الصّبي الحزين، لأحتضنه وأهمسَ له بأنّي أحبّه كثيراً وفخورةٌ به للغاية.. ثمّ استأذنتُ وغادرت!
شحوب !
09:45 30-12-2017
آخر تعديل :
السبت