أيام معدودات فصلت بين تصريحين اميركيين خطيرين، الثاني منهما كان تحذيراً جاء على لسان وزير الدفاع جيمس ماتيس, وجَّهَه للجيش العربي السوري بِعدم «شنِّ» اي هجوم على قوات «سوريا الديمقراطية» التي هي تحت قيادة كردية مُسيّطِرة, ولا يعدو العنصر العربي «الرمزي» فيها, سوى «تجميل» لقباحات الأهداف الخبيثة التي تتلطّى خلفها بعض قيادات كرد سوريا, الذين لا يزيد عددهم عن مليون ونصف المليون نسمة، فيما هم وبمساعدة المحتلِّين الاميركيين, باتوا يسيطرون على مساحات شاسعة في منطقة الجزيرة السورية وصولاً الى الضفة الشمالية الشرقية من نهر الفرات.
أخطر ما في تصريح وزير الحرب الاميركي, هو زعمه وجود «خط فاصل» بين المناطق التي يُسيطِر عليها «حلفاء» الولايات المتحدة في الشرق السوري (...) وتلك الخاضعة لسيطرة القوات الحكومية المدعومة من روسيا في الغرب». خط «اميركي» موهوم او مُتخيّل، لكنه ينطوي على تهديد واضح ومعلَن بأننا (الاميركيون) باقون في سوريا. وبالتالي لم يعد ثمة شكوك في النوايا الاستعمارية للتدخّل العسكري الاميركي غير الشرعي في سوريا, والذي جاء تحت ذريعة محاربة داعش, وتخفّى خلف «حِلف» ادّعى اقامته لتحقيق هذا الهدف، بل ولوقاحتهم ذهب الاميركيون بعيداً في القول: انهم استندوا الى المادة «51» من ميثاق الأمم المتحدة, التي «تجيز الدفاع عن بلد او مجموعة من الدول الحليفة» مشيرين الى ان هجمات داعش «استهدفت دولاً اوروبية عِدة, منضوية تحت مظلة حلف شمالي الاطلسي».
هنا والان يبدو تحذير ماتيس مثابة اعلان سافر لِسيناريو تخريبي واضِح, قَصَدَته ادارة ترمب التي تعاني مشكلات داخلية عديدة, خصوصاً التحقيق الذي يُجريه المحقق الخاص «مولر», في مسألة التدخل الروسي المزعوم في الانتخابات الرئاسية)، وقد أتّخذ الآن.. صفة إستثنائية, عشية التحضير لمؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي اواخر الشهر الوشيك. وإذ لم يكتف الجنرال ماتيس بتحذير الجيش السوري, بل كشف النقاب عن ان مهمة الاميركيين الموجودين في سوريا «... ستنتقل من السيطرة على الاراضي, الى تأمين الاستقرار» وان العسكريين سيؤمّنون «تحرّك دبلوماسيينا وأمنهم» (دون ان يوضح عن قصد, ما هو السند القانوني والشرعي لإرسال دبلوماسيين الى سوريا, والى مناطق غير خاضعة للحكومة الشرعية السورية) فإن التصريح «الأول» الذي كان أدلى به الجنرال جوزيف فوتيل رئيس القيادة المركزية لصحيفة نيويورك تايمز يوم الأحد الماضي, كشف فيه, ان الولايات المتحدة بصدد «تطوير برنامج تدريبي موسَّع لحرس الحدود من الاكراد في سوريا» والذريعة الاميركية لهذه الخطوة الخطيرة, التي تنطوي على نية مُبيّتة لتقسيم سوريا والحؤول دون عودة الاستقرار والأمن فيها، هي «لِمَنع مقاتلي تنظيم (الدولة الاسلامية) من العودة... الى سوريا».
الجنرال الاميركي كعادة بلاده في تضخيم الأمور بُغية «تبييض» اهدافهم الاستعمارية، فإنه زعم ان «التدريب على مراقَبة الحدود، سيعكس عمليات قتالية كبرى في سوريا قد تنتهي، وأن التحالف الذي تقوده واشنطن, يُحوِّل التركيز على المناطق التي تم (الاستيلاء) عليها من تنظيم الدولة».. الأمر الذي دفع الجنرال الى الاستطراد قائلاً: ان قوات الأمن الحدودية ستساعد على منع تجدّد ظهور تنظيم الدولة, وستساعد في السيطرة على كافة المناطق (...). ولم ينسَ بالطبع ان يقول للصحيفة واسعة الانتشار: ان «التدريب سيجري داخل سوريا. مُضيفاً: اننا نفعل ذلك بشكل صحيح, حيثما دعت الحاجة الى ذلك».
اسئلة كثيرة باتت تُطرَح الان, إزاء الدور الذي أُنيط اميركياً.. بكرد سوريا، الذين بدأوا خطواتهم الانفصالية, تحت عناوين برّاقة ذات «وَهَج» مُتّصِل «بمظلومية» نفخوا فيها كثيراً, وتحدثوا عن الديمقراطية وحقوق الانسان واللامركزية وغيرها من الكلام «المغسول», بهدف تمرير مخططهم الذي افتُضِح سريعاً, ولم تعد ثمة شكوك بأنهم يقومون بدور اكثر قذارة مما كان يعتقده بعض السذَّج, الذين ركبوا موجة «الحكم الذاتي» للمناطق ذات الاغلبية الكردية, مع علم هؤلاء وغيرهم ان لا كثافة كردية مرصودة في المدن السورية المحسوبة على «فيدرالية روج آفا» حتى في كوباني (عين العرب) والحسكة والقامشلي، ما بالك ان «مقاتلي الحرية» الكاذبون هؤلاء, باتوا مخلب قط في يد المحتّل الاميركي, ولم يُخفوا اهدافهم البقاء داخل الاراضي التي «احتلوها» بمساعدة الاميركيين, ودائماً في عقد صفقات عديدة مع إرهابيي داعش, الذين كشفتهم التحقيقات الصحافية الغربية (BBC) وما التقطته الاقمار الصناعية الروسية, وما كشفه الناطق السابق باسم قوات «قسد» طلال سلّو, بالارقام والاسماء والمعطيات.
وإذا ما أُضيف الى ذلك كله, الاعلان المثير الذي لم يلق متابعة حثيثة واضاءة كافِية عليه, فإننا أمام رهان اميركي على كرد سوريا وتركيا (وهما وجهان لعملة رديئة واحدة) لإشعال صراع اكثر خطورة يأخذ طابعاً اقليمياً ويُبقي – وهذا هو المهم اميركيا – سوريا, ساحة حرب وميدان تدريب وإمكانية كامنة لتطبيق سيناريوهات ظنّ كثيرن انها دُفِنت او في طريقها الى ذلك, بعد إلحاق الهزيمة بداعش وإحباط المخطط الاجرامي الذي شاركه فيه كثيرون وخصوصاً عربياً, لإسقاط الدولة السورية واشاعة الفوضى فيها.
الاعلان المثير هو الذي خرج به حزب العمال الكردستاني «PKK» يوم الاحد 24/12 على الناس يقول فيه: انه قام بـ»تشكيل إقليم حكم ذاتي كردي بين العراق وتركيا، يضم خمس مناطق في جبال قنديل, بإقليم كردستان العراق.. قرب الحدود مع تركيا».
دقِّقوا جيداً في التوقيت وطبيعة العلاقة الوثيقة, بين قوات حماية الشعب والPKK حيث تظهر دائماً في خلفية المشهد صُوَر عبدالله اوجلان على الرايات الصفراء.