محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

قصائد فاطمة نزّال.. الوحدة الإيقاعية

طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
فراس حجّ محمّد * أُثِر عن العرب أنّها كانت تُعلي من شأن النّساء، وكانت تُسْلم مستقبلها إلى الكاهنات، فكانت عفيراء الحميريّة، وفاطمة الخثعميّة، وسجاح التّميميّة، كما كانت تفيء في جاهليّتها إلى الآلهة المؤنّثة. فكانت عشتار واللّات والعزّى ومناة، وخضعت لحكم النّساء فكانت بلقيس، وزنوبيا، واستمعت لأشعار النّساء وروت عنهنّ القصائد؛ فكانت الخنساء وليلى الأخيليّة وولّادة بنت المستكفي، واحتلّت المرأة مطالع عيون القصائد العربيّة، فكانت أمّ أوفى وفاطمة وأسماء وخولة، ولم يعترف العرب بكمال القصيدة وجمالها دون أن تبدأ بواحدة من هؤلاء الملهمات الجميلات.

على جذع هذه الشّجرة نبتت الشّاعرات العربيّات المعاصرات من نازك الملائكة وحتّى آخر شاعرة ستولد الآن، أو في المستقبل، تحقيقاً للرّؤية الجماليّة للّغة التي تزهو بحيويّتها، وهي تحيا في قصائد الشّاعرات والشّعراء على حدّ سواء، محدثة التّوازن الإبداعيّ مع الفنون النّثريّة الّتي كادت تكتسح السّاحة، وخاصّة الإقبال والهرولة نحو الرّواية، حتّى هجر الشّعر الشّعراء، متّجهين نحو الرّواية.

وبعيداً عن لغة المجاز والإنشاء، أريد أن أصعد إلى «مدارج الروح»، للكشف عمّا في ديوان «اصعدْ إلى عليائكَ فيّ» من مزايا إبداعيّة تؤهّله للانتساب إلى ذلك التّاريخ الشّعريّ الجماليّ والشّعريّة العربيّة والفلسطينيّة، وأوّل مدارج العالميّة، إذ صدر من الدّيوان طبعة مترجمة إلى اللّغة التّركيّة، بصنعة الشّاعر والمترجم التّركيّ المعروف «متين فندقجي»، كما دخل أحد نصوص الدّيوان مترجماً إلى اللّغة الإنجليزيّة في الأنطولوجيا الشّعريّة- الفنّيّة التّشكيليّة (حدود الملح/ Salt Boundaries) الّتي أعدّتها الباحثة الإسبانيّة من أصل سوريّ د.ملك مصطفى.

«اصعدْ إلى عليائكَ فيّ» (مكتبة كل شيء في حيفا، 2017).. هذا الكائن الشّعريّ الأوّل للشّاعرة فاطمة نزّال، النّابض بالحياة والحيويّة، يتشكلّ بالعبارة المدهشة والصُّورة الطّازجة المبتكرة، ويتوشّح بالجمال، ويكتنز بالأفكار الإنسانيّة، ويشفّ عن النّفس البشريّة بكلّ تجلِّياتها الوجدانيّة والفكريّة، يحمل صوت الشّاعرة وإحساساتها وفكرها واختباراتها الجماليّة الخاصّة، لتدخل إلى عوالم الشّعر بثبات واطمئنان وزهو.

يصف الكاتب التّونسيّ حبيب بلحاج سالم، الشّاعرة بأنّ «قلبها ألف باب»، مشيداً في تقديمه للدّيوان بقصائد نزال ولغتها مفتوحة الدّلالة، مضيفاً أنّ ثنائيّة «الحسّ والرّوح»، وهي تتحوّل، لينصهر طرفاها في وحدة الحسّيّ والرّوحيّ أو الحسيّ الرّوحيّ، هي «العصب الشّعريّ الذي يشدّ كلّ المدوّنة الشّعريّة لفاطمة نزّال». هذا الحكم النّقديّ له ما يؤيّده وبقوّة في نصوص متعدّدة داخل الدّيوان.

تمحورت قصائد الدّيوان التي جاءت في ثلاث مجموعات، حول القضايا الإنسانيّة، سواء في بعدها الذّاتيّ الخاصّ بذات الشّاعرة، كما في قصائد المجموعة الأولى، أو وجدانيّات الحبّ الشّفيف كما تصوّرها قصائد المجموعة الثّانية، وحضرت كذلك الأمّ في نصوص عدة، إضافة إلى أنّ الشّاعرة قد أهدت الدّيوان لروح أمّها البهيّة. وانفردت المجموعة الثّالثة من قصائد الدّيوان بميّزتين، الأولى أنّها قصائد قصيرة، وقصيرة جدّاً، وتركتها الشّاعرة دون عناوين، مع أنّ التّجربة هنا ليست رائدة في هذا الاختيار الجماليّ، فقد سبق إلى ذلك كثير من الشّعراء والشّاعرات.

وما ينفرد به الدّيوان بشكلّ عامّ هو تلك اللّغة المعتمدة على الألفاظ ذات الجرس الهادئ، وامتزاج الموضوعات التي تحيل إلى القضايا الوطنيّة بالبعد الذّاتيّ والإنسانيّ، ليشكلّ نسيجاً شعريّاً متماسكاً. وسأركّز الحديث عن ثلاث مزايا إبداعيّة في الدّيوان، هي: الذّات الواثقة، واللّغة الخاصّة، والوحدة الإيقاعيّة.

الذّات الواثقة

لا ينبغي لشاعرٍ أن يكون ضعيفاً. لقد كان المتنبّي الشّاعر الذي امتلأت به الذّات، وفاضت به، حتّى اعتلته تلك النّرجسيّة التي ضجّت بأركان نفسه، فخلق له الحاسدين والمتربّصين، وهذا الامتلاء نفسه هو ما دفع الشّاعر سعيد عقل ليقول «أنا الشّعر». وقليل من الشّعراء من قال «أنا». ونادر من الشّاعرات من قالت «أنا» القويّة الواثقة المتحدّية. لقد قالتها صاحبة «اصعد إلى عليائك فيّ»، وشكّل ذلك عصباً رئيسيّاً في الدّيوان، بدءاً من العنوان الذي يحيل إلى ما هو أبعد من النّديّة مع الآخر المفترض تعييناً أنّه «الأنتَ»، لقد احتوته بكلّ عليائه في الذّات، لتكون ذاتها أكبر من عليائه. إنّها العتبة النّصّيّة الصّادمة والغاوية لتقول ما تقول دلالة مصاحبة، ورسالة متساوقة أكيدة.

وتتابع هذه الثّقة بالذّات وحضورها في العناوين الفرعيّة الثّلاث: «قالت أمّي: سيّدة هذا الكون أنتِ»، و»ادخل إلى دهاليزك المعتمة لترى النّور»، و»لا مستور بين طيّات الكلام». ويمكن الإشارة إلى قوّة العبارة الثّالثة حيث توظيف «لا» النّافية للجنس، التي تفترض أنّ الشّاعرة ذاتُ قوّة معرفيّة وجماليّة تؤهّلها لئلّا تخبّئ شيئاً من الكلّام، فالواثقون واضحون، وهم أقوياء بالضّرورة، فليست بهم حاجةٌ ليتستّروا ويواربوا.

وعدا الجمل سابقة الذّكر، فإنّ قوّة الذّات الواثقة سيلاحظها القارئ في عناوين النّصوص، ومنها على سبيل المثال «مواجهة، انبعاث، آلهة، اكتمال، صرتهم، مطلق»، حتّى تلك النّصوص التي تحيل إلى الضّعف الإنسانيّ أو الحزن الشّفيف، كانت تقف بين الحدّين لتميل إلى جهة القوّة الضّاجّة بين أركان القصيدة، كما هو واضح مثلاً في نصّ بعنوان «حشرجة» الذي تُجسّد فيه الشّاعرة لحظة إنسانيّة، توظّفها لتكون قويّة وتتحدّى الوخزة الشعوريّة الحادّة.

ومن بين النّصوص التي ارتفعت فيها الذّات الشّاعرة يمكن الوقوف عند نصّ بعنوان «اكتمال»، إذ تفتتح الشاعرة النّصّ بقولها «وإنّني امرأة»، متجنّبة توظيف استخدام أيّ لفظة أخرى لــ:

«ترى بعين بصيرتها

ما توارى

وتتجاوز عن الضّدّ بالضّدّ»

لتصل في النّصّ إلى الاكتمال بقولها:

«وإنّني امرأة

كلٌّ كامل متكامل

منّي وبي وفيّ

وأنت النّدّ

الذي تقاسم

هذا النّعيم لو دريت».

ومن مجموعة نصوص «لا مستور بين طيّات الكلام»، نقرأ هذا المقطع:

«لا مستور بين طيّات الكلام

ابقر بطن السّطر

ودع دمَه يفيض على المجاز».

إنه مقطع ناضج في شعريّته، باذخ في لغته، قويّ في التّعبير، مفتوح الدّلالة، إذ تمتلك الشّاعرة الفعل الآمر، ليتشكّل المقطع من فعلَي الأمر «ابقر، ودع». وهما فعلان معجونان بالقوّة الصّوتيّة والمعنويّة معاً.

اللّغة الخاصّة

لكلّ شاعر معجمه الخاصّ، كما أنّ له أسلوبه الخاصّ، ولا بدّ أن يلتفت الشّعراء إلى ذلك، فيتخلّصون ممّا يتلبّسهم من أصوات الشّعراء الكبار الذين يسيطرون على لغتهم، وهذا ضروريّ للفعل الإبداعيّ، فبقدر ما تكون حرّاً مِن غيركَ فيك تكون مبدعاً، ولعلّ الشّاعرة هنا نجحت في هذه النّقطة، ولو جزئيّاً، لا سيّما أنّ هذا الدّيوان هو الأوّل لها، بمعنى أنّها لم تعمد إلى التّعابير الشّعريّة الجاهزة، واستمعت جيّداً إلى ذاتها وأرهفت السّمع لداخلها، فجاءت النّصوص محمولة على لغة خاصّة، لها مفرداتها وعجينتها النّصّيّة، فلا تعمد إلى حشر الأسطورة والاقتباسات المعرفيّة داخل النّصوص، إلا ما جاء منها عفو الخاطر سلساً يتماشى والذائقة الفنّيّة المدرّبة، تحقيقاً لنجاح التّواصليّة بين النّصّ والمتلقّي، فوظّفت «عشتار» و»عناة» و»إنكي»، واستعارت قصة آدم وحواء وقصة النّبيّ يوسف.

هنا تبدو اللّغة ذات مذاق خاصّ بلغة خاصّة، يخلو من الفذلكة اللّغويّة مع أنّه ليس بسيطاً، ولا يجنح نحو استعراض العضلات الثّقافيّة، وفيه سلاسة، وتعبير ذو مستوى عالٍ من اللّغة دون أن تقع الشاعرة في لغة البوح السّاذج.

هنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الشّعر بشكل عامّ ليس مجالاً دافعا للبحث، إنّه لحظة استمتاع آنيّ لحظةَ إلقاء الشعر أو قراءته. وقديماً قالوا إنّ الشّعر أفسدته الفلسفة، واليوم تفسده الأساطير، ويُنقص من قيمة الشّعر الممتع السّلس هذا «التّثاقف المجنون» الذي يأتي نافراً وفاضحاً، فينمّ أحياناً عن ضعف في الشّاعريّة. علينا أن نتذكّر أحمد مطر وسيرورة شعره، ومظفّر النّوّاب وأشعاره المتحدّية، وفلسطينيّاً توفيق زيّاد وراشد حسين وفدوى طوقان وقصائدهم المقاومة، وقصائد تميم البرغوثي الجماهيريّة، وعلى النّقيض من ذلك نتذكّر نخبويّة أدونيس المعيقة للتّلقّي، ونتكر درويش في «سرير الغريبة» على سبيل المثال، وكثيراً من شعراء الحداثة العربيّة الذين يجنحون إلى تغريب المعنى وتشتيته طمعاً في إنتاج نصّ يستولي على ذهول المتلقّي، لكنّهم كانوا -من حيث لا يدركون- يساهمون في قتل الشّعر بلا رحمة.

واستطراداً لهذه القضيّة النّقديّة الحسّاسة، نتذكّر الشّعر القديم الذي كان يحرص على الذّائقة العامّة يربّيها ويتناغم معها، وصدمة هذه الذّائقة من مقولة أبي تمّام المتعجرفة المتعالية على تلك الذّائقة عندما قيل له «لماذا تقول ما لا يُفهم فقال: لماذا لا تفهمون ما يُقال».

ضمن هذه التّواصليّة السّلسلة جاء ديوان «اصعد إلى عليائك فيّ» الذي لم يكن بسيطاً، لكنّه كان ناحجاً في تواصليّته مع المتلقّي، ببناء لغة خاصّة عالية المستوى مفهومة، بعيدة عن أسر اللّغة المعلّبة المستجلبة من الحقول المعرفيّة الأخرى، التي تبعد الشّعر عن حقيقته وأهمّ أهدافه في إحداث المتعة في التّلقّي.

الوحدة الإيقاعيّة

يتبع القضيّة السّابقة قضيّة الوحدة الإيقاعيّة لقصائد الدّيوان من أوّل نصّ فيه حتّى آخر نصّ، ليشكّل وحدة واحدة، انتظمتها لغة واحدة وأسلوب واحد، وعلى الرّغم من تعدّد موضوعات الدّيوان إلّا أنّ تلك الموضوعات صيغت كأنّها وحدة واحدة، وهنا يمكن إعادة ما قاله الشّاعر الفرنسي (جان- بيير روك) عن صناعة ديوان الشّعر، وكيف يجب أن يكون، فيحقّق بذلك نوعاً من القرب والقربى بين الشّاعر والقارئ، يقول (روك): «ديوان الشّعر يجب ألّا يكون مثلا محشراً لنصوص متنافرة في الشّكل والمضمون، ديوان الشّعر هو شهادة حيّة على تجربة بعينها في حياة الشّاعر».

لقد تحقّق هذا في ديوان فاطمة نزال المولودة عام 1968 في بلدة قباطية بمحافظة جنين في فلسطين. فالدّيوان صنعة، يستبعد فيها الشّاعر تلك النّصوص التي لا تنسجم والحالة الإيقاعيّة والشعوريّة التي يبتغيها.

بهذه الكيفيّة وبهذه الرّؤيا علينا أن نتعامل مع كلّ حالة شعريّة على حدة دون أن نقيسها بتجارب أخرى أو نقارنها أو نقاربها بغيرها، وليكن السّؤال الإبداعيّ والنّقديّ متمحوراً حول مدى نجاح هذه التّجربة وصدقها الفنّيّ والعوامل النّصّيّة والأسلوبيّة التي تؤهّل النص ليكون شعراً يحاكي ما في النّفس ويعبّر عنها. ويتضح أنّ «اصعد إلى عليائك فيّ» قادر على الصّمود وبثبات للإجابة عن هذا التّساؤل المشروع، ويقدم رسائله الإبداعيّة بشكل واضح.

* كاتب فلسطيني
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress