نغني لمدينة التاريخ المقدس ونقول ان القدس مدينة السلام، ولكنها في الوقت ذاته بوابة الحروب منذ الأزل وستبقى الى الأبد، حتى الصراع الدائر حولها وعليها وفيها، لم يبدأ مع قرارالرئيس الأميركي ترمب باعلانها عاصمة لأسرائيل، بل بدأ الصراع منذ احتلالها في العام 1967 واستمر حتى هذه الساعة، ويجب أن يتواصل الى حين تحريرها حسب الحتمية التي فرضتها وتفرضها حركة التاريخ الحقيقي البعيد عن الخرافة.
ولكن لماذا صدر قرار الرئيس ترمب الآن، ولماذا اختار هذا التوقيق؟
الحقيقة أن القرار الأميركي جاء بعد تنفيذ مراحل تم التخطيط لها بعناية بالتعاون مع الحركة الصهيونية. بدأ المشروع المشبوه يظهر ببعض تفاصيله منذ جريمة احراق الأقصى في العشرين من آب في العام 1969، حيث زعمت تل ابيب أن الفاعل يهودي استرالي متعصب «مجنون»، وتم ترحيله الى استراليا. جاءت ردود الفعل العربية والاسلامية محدودة وخجولة على عكس توقعات الأسرائيليين، ولا ضرورة للتذكير بتصريح غولدا مائير في ذلك الوقت، حول ردود الفعل التي جاءت مريحة لها جدا.
هذا الصمت العربي والاسلامي شجع قادة اسرائيل على الاستمرار في التنفيذ المرحلي التدريحي لمشروع تهويد القدس، فاصدر الكنيست قرارا ضم القدس واعلانها عاصمة ابدية للكيان الصهيوني في 30 تموز عام 1980وهو الأجراء الذي رفضه مجلس الأمن بقراره رقم 478 الصادر في 20 من شهر آب 1980، تم ذلك في عهد حكومة مناحيم بيغن العنصري اليميني المتطرف الجامح لدرجة الجنون. اعتقد أن الرد العربي والاسلامي لم يكن في مستوى الحدث–الجريمة بحق المدينة المقدسة ومكانتها العربية والاسلامية والمسيحية.
وفي العام 1995 اصدر الكونغرس الأميركي قانونا يعترف بالقدس عاصمة ابدية لاسرائيل وقرر نقل السفارة الأميركية اليها، الا أن الكونغرس خوّل الرئيس بتاجيل تطبيق هذا القانون كل ستة شهور، بانتظار اللحظة التاريخية المناسبة للتطبيق، واعتقد أن احتلال بغداد كانت نقطة البداية، وتبعها ربيع الكوارث.
في بداية الربيع العربي كنا مبهورين بهذا الطوفان (الحراك الشعبي) الذي سيحقق التغيير والاصلاح، ولم نكن نعلم بتفاصيله الشيطانية المرتكزة على قاعدة الشرق الأوسط الأميركي–الأسرائيلي الجديد. ولكن بعدما توغلنا أكثر في الكوارث والخراب والتدمير تكشفت الحقائق والأهداف، حتى أننا في منتصف الطريق كنا نعتقد أننا لم نصل الى قاع الهاوية، الى أن وصلنا الى الحاضر الواضح رغم كل الغموض.
خلال هذه المرحلة وجد الاسرائيليون فرصتهم الذهبية والتاريخية لمواصلة تطبيق مشروع التهويد والاستيطان، وخصوصا في القدس وما حولها، فقد تم مصادرة الأراضي والبيوت بأوامر عسكرية وادارية وقضائية باستخدام القوة والعنف أو تزوير الوثائق لاحتلال البيوت المقدسية القديمة فيها، وهذا السلوك تبعه عرقلة عملية السلام رغم عبثيتها، وبالتالي نسف معاهدة اوسلو وتجاوزها، بل دفنها.
هنا جاء دور الرئيس الأميركي المتشدد المتعصب اليميني المحافظ والأكثر انحيازا للمصالح الاسرائيلية فاصدر قراره المشؤوم باعلان تطبيق قرار» «القدس العاصمة الأبدية لاسرائيل» ونقل السفارة الأميركية اليها.
رأى ترمب أن الفرصة سانحة لتتويج عهده بمثل هذا القرار، كما انه احتفل بهذه المناسبة مع الطائفة اليهودية بعيد الحانوكا في البيت الأبيض والقى خطابا ينضح بالعنصرية والاستفزاز، وهي حالة غير مسبوقة في البيت الأبيض. هذه الخطوة الترمبية الأميركية جاءت بعد تدمير معظم البلاد العربية وانهاك جيوشها بحروب داخلية اهلية وصراعات مذهبية وعرقية وقبلية، اضافة الى قرار ترمب بنهب نفط وثروات العرب، يعني تجريد العرب من القوة العسكرية والمالية وتمزيق مجتمعاتها، والأهم انهاء أي عمل عربي مشترك حاضرا ومستقبلا، ومعناه اننا وصلنا الى قاع الهاوية.
و» طبشة الميزان» الترمبي كان استخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، ضد مشروع القرار المصري، واعلنت ممثلة واشنطن في المجلس نيكي هايلي أن التصويت على القدس اهانة لن تنساها الى الأبد! وللعلم أن السفيرة هايلي، واسمها الحقيقي هو نيمراتا راندهاوا، هي مهاجرة تنتمي الى طائفة السيخ الهندية، وهي يمينية عنصرية متعصبة حاقدة على العرب والمسلمين، اشتهرت بتاييدها التمييز العنصري في ولاية كارولاينا الجنوبية حيث اشتهرت عندما اصبحت محافظة للولاية برفع علم العنصريين الانفصاليين الجنوبيين «علم الكونفدرالية»، لذلك اختارها ترمب شخصيا لتكون مندوبة الولايات المتحدة في مجلس الأمن.
في النهاية اقول إنه اذا لم يتم اتخاذ موقف عربي اسلامي مسيحي، على الصعيدين الشعبي والرسمي، ضد الاحتلال برمته، وبالتالي رفض قرار ترمب سنرى ما هو اسوأ.
ما معنى التوقيت في معركة القدس؟
11:00 20-12-2017
آخر تعديل :
الأربعاء