أشبعناهم شتما.. وماذا بعد؟
11:15 9-12-2017
آخر تعديل :
السبت
للقدس مكانة خاصة دينية ورمزية في الوجدان الشعبي العربي والاسلامي، لكونها تضم مقدسات اسلامية ومسيحية، ولا حاجة للخوض بتفاصيل معروفة للجميع، وأنا أبن منطقة الاغوار الوسطى، أتذكر ونحن أطفال قبل احتلال الضفة الغربية في حرب 1967، كان الكثيرون يعبرون نهر الأردن، في باصات باتجاه القدس، لأداء صلاة الجمعة في المسجد الأقصى، وكنا نعتقد بعقلية الطفولة أن الصلاة في المسجد لها حسنات أكثر!
وعندما أعلن الرئيس الاميركي ترمب قراره الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، ونقل سفارة بلاده الى هناك، شدد في خطابه على البعد الديني، واستند على الاساطير الصهيونية بالنسبة لهيكل سليمان المزعوم، والادعاءات بحقوق اليهود في القدس كعاصمة «أورشليم»!
لم تعد قضية القدس بحاجة الى تحليلات، وإصدار بيانات الشجب والادانة وإصدار فتاوى قانونية ودينية، فقد غرق الفضاء العربي خلال الأيام الماضية، بالتحليلات والادانات و»التغريدات» و»البوستات» لقرار ترمب، عبر مختلف وسائل الاعلام التقليدية ووسائل التواصل الاجتماعي، وحتى قبل ساعات من إلقاء ترمب خطابه وإعلان»وعده الجديد «، كان لسان حال الأوساط السياسية الاميركية والاسرائيلية يقول: « نحن نفعل ما نريد..وانتم عبروا عن القلق والادانة بأقسى العبارات كما تشاؤون «.. وأشار ترمب في خطابه الى ردود فعل غاضبة متوقعة مثل التظاهرات والدعوة لعقد اجتماعات..الخ. وبالنتيجة « أشبعناهم شتما وفازوا بالأبل»!.
مشهد بائس يضاف الى ما تعيشه الامة من حالة كارثية! وأكثر ما يثير الضحك في ردود الفعل العربية القول: أن قرار ترمب « ينسف عملية السلام « و «حل الدولتين «! وكنت أراهن قبل إعلان ترمب بساعات ، أنه سيراجع خطابه إذا تحركت عدد من الدول العربية والاسلامية المهمة ،والمعنية بقضية القدس بشكل جدي باتخاذ خطوات عملية، بعيدا عن بيانات وتصريحات الادانة والشجب والتحذير المكررة والممجوجة.
الرهان على المواقف الدولية التي تعبر عن القلق ،والتأكيد على قرارات الأمم المتحدة لن يكبح الغطرسة الاميركية ، والخطوات العملية هي مسؤولية العرب والمسلمين ، ليس المطلوب شن حرب على اسرائيل ! لكن كان يكفي القيام بتحركات دبلوماسية عاجلة، تقطع الطريق على قرار ترمب ، مثل التلويح بقطع العلاقات الدبلوماسية ، وقيام بعض الدول المهمة والمعنية مباشرة باستدعاء سفرائها في واشنطن للتشاور ، وتقديم احتجاجات شديدة اللهجة للسفراء الاميركيين في عواصمها ، خصوصا وأن ترمب اتصل هاتفيا قبل خطابه بيوم بعدد من القادة العرب وأبلغهم بقراره ، وعندما تتوافر الارادة السياسية يمكن تحقيق نتائج.
التحركات الجماهيرية ضد القرار مهمة وهناك دعوات لانتفاضة جديدة، ولنتذكر أن الهبة الجماهيرية التي قام بها المقدسيون ،هي التي أفشلت قرار سلطات الاحتلال تركيب بوابات حديدة ، على مداخل المسجد الاقصى المبارك قبل عدة أشهر، لكن الناس بحاجة الى قرارات وإجراءات رسمية سياسية جدية ، والرهان الاول يقع على السلطة الفلسطينية التي انتجها اتفاق أوسلو !
وهناك أوراق قوة عديدة يمكن استخدامها في مواجهة الصلف الاميركي، وبخاصة فيما يتعلق بالخدمات العسكرية التي يقدمها العرب لاميركا ، والتبعية السياسية لاستراتيجية واشنطن، فضلا عن إعادة النظر في العلاقات الاقتصادية والتجارية وإحياء المقاطعة العربية لاسرائيل !
لكن المفارقة أن الاشهر الماضية شهدت «سباقا محموما « ، من قبل بعض الدول العربية باتجاه التطبيع شبه العلني مع الكيان الصهيوني ! ومحاولة الضغط على السلطة الفلسطينية للقبول بخطة ترمب، التي توصف ب «صفقة القرن» لتصفية القضية الفلسطينية ! كل ذلك تزامن مع اشتعال الازمة الخليجية التي لم تكن تخطر ببال كاتب سيناريو خيالي ،فضلا عن حروب « داحس والغبراء» التي تشتعل في عديد البلدان العربية !
«فزاعة «الارهاب احتلت الأولوية في عالمنا العربي ، وتم إلصاق تهمة الارهاب بالاسلام وأنتاج جماعات متطرفة مشبوهة ، بأسماء اسلامية مثل «داعش» وأخواتها ، وتسابقت الدول العربية والاسلامية للانخراط بالمشروع الاميركي، فيما يسمى «الحرب على الارهاب»، وكانت اسرائيل أكبر المستفيدين من هذه الحرب ، رغم أنها أكثر دولة في العالم تمارس « أرهاب الدولة « بحق الشعب الفلسطيني، وقد استثمرت إدارة ترمب مدعومة باللوبي الصهيوني ، هذه الحالة العربية البائسة للتعجيل بالقرار بشأن القدس ! وتم تجاهل حقيقة ان هذه السياسة الاميركية والجرائم الصهيونية ،هي سلاح ناجع للتطرف والعنف ،ثم يعودون للتحشيد تحت عنوان «محاربة الارهاب « !
حتى طريقة توقيع ترمب على القرار أمام الكاميرات كانت استفزازية، وغطرسة الادارة الاميركية هذه واستهتارها بمصالح وقضايا العرب والمسلمين، يقابلها حذر وتردد و»ألف حساب «، إزاء كل ما يصدر عن كوريا الشمالية.. الدولة التي يقال « أن شعبها جائع «!!
Theban100@gmail.com