1 1
أبواب

الإهمال في الرحلات المدرسية قد يخلف مأساة لا تنسى

انهارت مريم(اسم مستعار)، وهرعت مسرعة الى والدتها، وقالت : «لماذا حصل معي ذلك؟» وبصوت مليء بالدموع يكاد أن يسمع «عضني كلب يا ماما» ... ثم اجهشت بالبكاء، مشاعر حزينة ومؤلمة للأم ،وطفلتها ابنة الخامسة عشر عاما.

الرحلات المدرسية سواء كانت علمية أوترفيهية، تعتبرمن أنجح النشاطات اللامنهجية ،التي يعول عليها في كسر الروتين المدرسي، فهي من الاساليب التربوية التعليمية، التي تعزز التعلم الذاتي للطالب، وتربطه بالبيئة، كما أنها تقوي روح الانتماء الوطني لديه.وواقع الحال أن كثيرا من المدارس لا تلتزم بتعلميات وزارة التربية والتعليم بخصوص الرحلات المدرسية، وتتبع آليات لاتتوافق مع الغايات المستهدفة، وأهمها سلامة الطالب.

في ذلك اليوم استيقظت «مريم» كغير عادتها باكراً، نشطة فرحة، فاليوم موعدها مع الرحلة، وقد جهزت مستلزماتها، واتصلت بزميلاتها مؤكدة عليهن الحضور ، لم يخطر ببالها ابدا، ان يحصل لها في هذه الرحلة ما لا يحمد عقباه، وأن فرحتها بالرحلة ستنقلب الى مأساة، وسعادتها لن تبلغ ما كانت تحلم به هي وزميلاتها، فلا ذنب لها سوى انه اثناء التجول في مصنع، هجم عليها كلب شرس وانقض على يدها الغضة بأسنانه القاسية.

في ذلك اليوم المشؤوم، تقول والدة «مريم» أنها تلقت اتصالا هاتفيا من المدرسة، وقبل أن تجيب تملكها خوف شديد، سمعت صوت معلمة تقول لها « مريم عضها كلب في الرحلة ويجب أن تحضري حالا لتأخذيها الى المستشفى»، أغلقت والدة «مريم» الهاتف، وهي في حيرة وتعجب، ماذا حصل لابنتها؟ وكيف يحصل ذلك؟ وأين المشرفة على الرحلة؟ أسئلة كثيرة في ذهنها، والأهم من ذلك انها تريد رؤية ابنتها؟

وما أن وصلت الأم الى المدرسة وشاهدت ابنتها، عانقتها وهدأت من روعها، ولم تتمالك الام نفسها، وهي ترى ابنتها متألمة،أخدتها الى أقرب مشفى حكومي، لأن العلاج غير متوفر في المستشفيات الخاصة، وأخدت «مريم» العلاج اللازم ، وأخبرها الطبيب المعالج ان هناك برنامجا لعدة مطاعيم يجب اخدها بانتظام ولمدة اربعة شهور.

وتصف والدة الطالبة معاناتها، فوالدها يعمل خارج البلاد، وفي موعد كل مطعوم عليها ان تذهب الى المدرسة، لتأخد ابنتها الى المشفى ،وتعود الى المدرسة مرة اخرى، حتى لا يفوت على ابنتها الكثير من الحصص. ما حدث مع «مريم» ، هو نتيجة حتمية لإهمال عدة أطراف، الطرف الاول هو المدرسة وعدم التزامها، بتعليمات وزارة التربية والتعليم التي تنص على ضرورة وجود»مشرف»، وهو المعلم المسؤول عن الرحلة المدرسية، و»مرافق» وهو معلم يساعد المشرف، إذا كان عدد الطلاب لايتجاوز (25)، وفي حالة زيادة العدد الى (50) طالبا، يجب أن يرافقهم مرافقان بالاضافة للمشرف.

أما الطرف الآخر فهو الجهة المستضيفة، وعدم مراعاتها لقواعد السلامة العامة، فوجود كلاب سواء كانت للحراسة أوضالة، يتنافى مع الحرص على سلامة الطلاب الزائرين.

وأفادت الدكتورة البيطرية فلسطين أبو فوده إن داء السعار الناتج من عضة كلب هومرض فيروسي يصيب الجهاز العصبي، وفترة حضانته من يومين إلى عشرة أيام ،وهو خطير اذا لم يتم معالجة المصاب فورا ،والإسعاف الأولي هو غسل المنطقة بالماء واليود للتقليل من انتشار الفايروس، ومن ثم إعطاء الشخص المصاب اجساما مناعية كما يجب اعطاؤه المطاعيم التي تكون على أربع مراحل وأما أعراضه فهي كثيرة من حمى وعدم القدرة على الاكل بالاضافة الى الخوف والرهبة وإذا ظهرت أعراض الداء عنده يكون الموت هو النتيجة الحتمية، لقصور في الجهاز التنفسي.

وأفاد مدير ادارة النشاطات التربوية في وزارة التربية والتعليم الدكتورعبدالكريم اليماني، إنه يوجد تعليمات بخصوص الرحلات المدرسية الحكومية والخاصة لسنة (2008)، يجب الالتزام بها وعدم مخالفتها، ونوه « اليماني» إلى ضرورة تحمل المدرسة كامل المسؤولية تجاه سلامة الطلاب، من لحظة خروجهم من المدرسة ولغاية عودتهم الى منازلهم، لافتا إلى ضرورة أن تقوم المدرسة بتقديم الاسعافات الأولية للطالب في حال تعرضه لأي حادث، وارساله الى المستشفى إن دعا الامر إلى ذلك.

وأجاب عن سؤال حول تعهد الموافقة الخطية التي تعدها المدرسة لتوثيق موافقة ولي الامر « انها ورقة غير قانونية، كونها تتضمن عبارة تنفي المدرسة فيها مسؤوليتها عن الطالب اثناء الرحلة»كما وعد « اليماني» بمتابعة الحادث الذي حصل للطالبة مع المدرسة، واتخاذ الإجراء اللازم معها.

إجراءات وقائية

إن اجراءات تقييم المخاطر قبل انطلاق أي رحلة مدرسية، بات أمرا بالغ الاهمية، ويتمثل بضرورة معاينة المواقع التي تقرر المدرسة زيارتها للتعرف على المخاطر المحتملة التي قد تؤدي الى حوادث، بالاضافة الى ضرورة تدريب المشرفين والمرافقين على الاسعافات الاولية، وضرورة اطلاعهم على تلك المواقع والمخاطر، ليسهم ذلك بشكل فعال في الحد من الحوادث.

من جانبها أكدت المرشدة في مدرسة الرضوان الدكتورة أماني البيشاوي أن المدرسة مسؤولة بالكامل عن سلامة الطالب في اثناء الرحلات المدرسية، وأن جميع طلاب المدرسة يخضعون لتأمين صحي، ويتم معالجتهم في المستشفيات في حال تعرضهم لأي حادث.

الكلفة المرتفعة للرحلات المدرسية ترهق كاهل الاسرة، التي تضطر في كثير من الاحيان إلى دفعها، لعدم احراج ابنهم،وشعوره بالنقص أمام زملائه في حال عدم ذهابه. وبحسب والدة ابراهيم الطالب -وهو طالب في مدرسة خاصة -فإن المدرسة تطلب مبالغ مالية كبيرة لرحلات مدرسية ، وكثيرا ما يحرم الطالب لعدم قدرة الاهل على الدفع.

الرحلات المدرسية من الذكريات الجميلة التي لا تنسى، لكنها من الممكن أن تتحول إلى مأساة لا تنسى أيضا، جراء ممارسات خاطئة، وإهمال من قبل بعض المدارس، عندما لا تكون سلامة الطالب في مقدمة أولوياتها.