كتاب

مشهد مشبع برائحة البارود !!

قوس من التوتر يمتد من الحدود الجنوبية في لبنان الى عدن في جنوب اليمن. على طول أجواء هذا القوس، ولا اريد استخدام مصطلح (هلال)، تفوح رائحة البارود، التي تشي بانفجار كبير في اية لحظة ولأي سبب، لأن الكل يهرب الى الأمام و(القلوب مليانة) بالحقد والكراهية والخناجر، اضافة الى كثرة اللاعبين وتعدد المصالح واختلاف الأهداف، وهو الواقع الذي يشبه الانتحار الذاتي العربي، الذي استفادت منه اسرائيل فقط لا غير حتى الآن.

الحقيقة التاريخية تؤكد أنه لا توجد امة على وجه الأرض تعشق العبودية لدرجة انها تشتريها ، كما لا يوجد شعب يرحب بالغزاة أو يتوسله كما نحن. حدث ذلك في زمنين عربيين فقط ، المرة الأولى في عهد دويلات الطوائف بالأندلس ، واليوم يعيد التاريخ نفسه في زمن تقسيم المجتمعات والأوطان الى دويلات طائفية وعرقية ، بعدما تحول بعض العرب ، باستجابة كاملة ، الى ادوات تطبق اجندات خارجية تخدم مصالح دول غير عربية.

الحقيقة الثانية هي أن المشرق العربي تحول الى سيرك يعرض العابا نارية دامية تغير اتجاهها مع هبوب الريح ، كما تتغير تحالفات اللاعبين الكبار بشكل متسارع مع تغيير المصالح والأهداف والتكتيكات، كما يحدث فوق رقعة الشطرنج ، أو انهم يدفعوننا في النهاية الى ممارسة لعبة الحياة والموت في « الروليت الروسية « التي لا ينجو منها سوى صاحب الحظ السعيد وهي صفة افتقدها اليمن اليوم فصار « اليمن الحزين «.

كل هذه المقدمة الطويلة العريضة كتبتها بهدف الوصول الى دور اللاعبين الكبار ، في زحمة الحديث عن تقاسم روسي – أميركي في المنطقة ، وبعد البيان الروسي الأميركي المشترك الأخير الذي تمخض عنه لقاء بوتين – ترمب في هانوي بفيتنام ، وهي المدينة التي صمدت في وجه الغزو الأميركي وانتصرت ، رغم الدمار الذي اصابها نتيجة قصف الطائرات الأستراتيجية الأميركية المتوحشة.

البيان الروسي الاميركي أكد احترام وحدة واستقلال وسيادة سوريا ، وعلى ضرورة التنسيق في الحرب على الأرهاب ، في حين نعرف ، كما يعرف، أن واشنطن لا تحارب الأرهاب ، خصوصا في سوريا ، بل ما زالت حتى اليوم تدفع بقوات خاصة جديدة الى شمال سوريا لدعم فصائل مسلحة تسعى الى التقسيم.

يبدو ان الفريقين بحاجة الى التهدئة ، ولو على الصعيد الأعلامي ، أو اعتبارها فرصة لعدم الصدام ، لكسب المزيد من الوقت بهدف ترسيخ قواعدهما في المنطقة وتكريس مصالح بلديهما. واعتقد أن الرئيس الأميركي أكثر حاجة لمثل هذا البيان لمواجهة الحملة الداخلية وكثرة منتقديه بعد سلسلة الفشل في السياستين الداخلية والخارجية ، أو انه يريد المقايضة مع بوتين واعني التهدئة في الشرق الأوسط مقابل دور روسي – صيني لأيجاد حل لمشكلة ترمب مع الرئيس الكوري الشمالي بممارسة المزيد من الضغط على بيونغ يانغ.

في النهاية نقول ان التحالفات تتغير وكذلك المصالح ، ولكن أرى أنه رغم البيان المشترك والمصافحة الحارة بين بوتن وترمب يبقى الأرتياب والشكوك حيال الدور الأميركي بسبب عدم وجود نوايا حسنة صادقة في الموقف الأميركي ، وبسبب الأرتباك في السياسة الخارجية الأميركية ، نتيجة كثرة المؤسسات التي تتدخل في عمل الأدارة وتحديد المصالح ، نتيجة عدم وجود السيطرة ، وهو الحال الذي حذر منه الرئيس ايزنهاور حين قال ما معناه أن الدولة يجب لا تدار من وسط مصانع السلاح.

هذا المشهد المشبع برائحة البارود ، المتداخل المشتبك بفصوله والمشبوه باهدافه ، يفرض علينا حسابات دقيقة والكثير من الحذر قبل اتخاذ اية قرارات مهمة مصيرية ، أو التقدم خطوة واحدة في أي اتجاه ، على نضع دائما المصالح الوطنية العليا في المقدمة.