وضعت أمامَ ضيفتها صينيّةً عليها كوبان من الشّاي بالنعناع، وحبّات من الكعك المحلّى، ثمّ جلست قربَها وهي تئنّ من ألم ركبتيها، فردّت عليها الضّيفةُ بشكوى مماثلة عن أوجاع المفاصل وصعوبة الحركة، لتمدَّ يدها في حقيبتها وتُخرج علبةَ دواءٍ مقترحةً عليها استخدامَه، لأنَّها جرّبته واستفادت منه مؤخّراً..
قالت المُضيفة بحسرة: «والله يا أختي حالنا واحد، العمر له أحكام، ولا يُصلحُ العطّارُ ما أفسدَه الدّهر، « ثمّ لتردفَ مبتسمةً: «صحيح، مبارك تخرّج حفيدك، ربّي يوفقه» وفي حين مضت تُحدّثها عن أحفادِها هي، سمعتا صوت عُكازِه يقتربُ من الباب، ليقفَ عند البابِ بظهرِه المنحني ويقول: «يا هلا بجارتنا، يا مرحبا، كيف حالك؟ والله نوّرتينا!»
فرفعت الضّيفةُ منديلها لتغطّي به نصفَ وجهِها وهي تردُّ بحياء: «بيتك عامر بالخير يا جارَ الرّضى.. كيف صحتك؟»
وبدا أنّه لم يسمع ما قالت، فبقي واقفاً في مكانه إلى أن سألته زوجتُه عن السّبب الذي أبقاه في البيت ولم يذهب كعادته كلّ يوم للعب الطّاولة مع الرّفاق، فأجاب أنَّها برودةُ الجوّ، وخشيتُه من عودةِ السّعال له.. ثمَّ تحرّكَ ببطء نحو الفناء ليتّخذَ هناك مقعدَه المعتاد.
ومرَّ وقتٌ ما إلى أن سمعَ أصوات السّيدتين وهما تخرجان لمّا قرّرت الضّيفة المغادرة، فاقتربتا إلى حيث يجلس وكلٌ منهما تتّكىء على ذراعِ الأخرى وتتضاحكان.. فنهضَ مستنداً على مِقبضِ عُكّازهِ بيديه الاثنتين ليقول: «شرّفتينا، زورينا دائماً.. هذا بيتكِ الصّغير!»
ردّت عليه الضّيفةُ بعبارة لبقة، ثمَّ وقفت عند صفٍّ من أواني الزّرع الصّغيرة المصفوفة بانتظام على جانبيْ المدخل، لتقولَ بدهشة: «ما شاءَ الله، ما أحلاها.. غريب، كيف أزهرت ونحن في الخريف؟» فردّت عليها المُضيفةُ بزهو: «النّبتة نفسها اسمها (غريب) يعني اسم على مسمّى.. سبحان الله»
هنا، تفاجأت به المرأتان ينحني ليحملَ إحدى الأصص ويقدّمها للضّيفة بيدٍ مرتجفة وهو يقول: «تفضّلي، إذا بدت ثقيلة عليك سأوصلها أنا لبيتكم!»
تناولتها السّيدة بفرح وهي تشكرُه بحرارة وغادرت..
اقتربت منه زوجتُه وهي تقولُ بغضبٍ مكتوم: « حسب قولك؛ الدّنيا برد.. طيّب كيف احتملت الجلوس هنا طوال الوقت؟ والله غريب.. تخرج كلّ مساء، وفجأة تقرّرُ اليومَ تحديداً البقاء في البيتِ!»
ولم يُعلّق، فأضافت بنبرةٍ ساخرة: «وما حكاية زورينا دائماً؟ وكمان ناوي توصّل الزّريعة لبيتها بنفسك، والله عال، شو قصّتك بالضّبط؟»
ثمَّ دخلت وهي تُغمغم بكلامٍ غير مفهوم، وسمعَ أصوات أبوابٍ تُصفق، وقرقعة َطناجر من المطبخ، ثمَّ لتعودَ وتسأله باستنكار: «عمرك ما سلّمت على جاراتي وضيفاتي.. اليوم وقفت ساعة عند الباب، شو قصّتك؟»
ولم يردّ، بل ظلَّ ساهماً.. وهكذا إلى أن حضرَ أحدُ الأبناء، لتستمرَّ في حديثها الغاضب كأنَّما لم ترَه.. حاول التّدخّل، فلم تنفع محاولاتُه في تهدئتها!
ثمَّ ليجدَ نفسَه ينزوي في إحدى الغرف ليجري اتّصالاً عاجلاً مع أخيه الكبير فيقول: «أرجوك، احضر حالاً، في مشكلة عند الحجّة مش فاهمها، تتّهم والدَنا بالخيانة يا رجل.. تعال أرجوك، بتحكي كلام عن كرامتها المجروحة.. وأشياء عن الانفصال!
حين يُزهرُ الخريف!
11:00 28-10-2017
آخر تعديل :
السبت