كانت مدينة عمان قديما مشهورة بسيلها المتدفق بالمياه، حيث كان يُعرف أيام حكم الرومان بنهر فيلادلفيا، وقبل نحو قرن من الزمن كانت الاشجار الباسقة والمزروعات من خضار وفواكه منتشرة بكثرة على جانبي هذا السيل او النهر الطويل، ومنبع مائه الاساسي من منطقة رأس العين.
سكان عمان في فترة ستينيات القرن الماضي وما قبل ذلك كانوا يجدون صعوبة في اجتياز هذا السيل الهادر شتاء.. لانه كان يفصل عمان الى منطقتين رغم وجود بعض القناطر او الجسور الحجرية من رومانية وعثمانية، الا انها كانت قليلة وضيقة ويصعب السير عليها.
وقبل انشاء السقف الاسمنتي فوق سيل عمان كانت هناك في عدة مناطق متفرقة بعض الجسور الحديثة نسبيا والقديمة المعروفة والتي اختفت عندما غُطي السيل بشارع طويل جداً يمتد من اول وادي عبدون الى منطقة المحطة، ومن هذه الجسور: جسر المهاجرين، وجسر العسبلي، وجسر رغدان وجسر الحمَّام.
وفي مذكراته «رشاد السنين» يتطرق المحامي «هاني الدحلة» للحديث حول احد هذه الجسور وهو جسر الحمام الذي كان منتصبا فوق سيل عمان في المنطقة ما بين اول وادي سرور – حيث سوق الجمعة للطيور – وقرب سوق الخضار بجانب سينما الحمراء، اذ يقول:
في الثلاثينيات والاربعينيات وما بعدهما بقليل كان «جسر الحمام» الحديدي الضيق لا يتسع لمرور السيارات عليه، بل فقط لمرور المشاة فقد اضطرت بلدية عمان آنذاك لاقامته في ثلاثينيات القرن الماضي من كثرة شكاوى اهل هذه المنطقة الذين يسكنون شارع الطلياني ووادي سرور والمناطق المجاورة، وذلك لأن السيل عندما كان «يحد» اي يفيض يصبح مثل سد كبير لا يمكن تجاوزه، مما يضطر الناس إما الذهاب غربا الى جسر المهاجرين او شرقا الى جسر العسبلي بجانب المدرج الروماني، وكان ذلك يكلف وقتا وتأخيرا لاعمال ومواعيد الناس واصحاب العمل قبل توسعة هذا الجسر الحديدي بجسر اسمنتي اوسع في خمسينيات القرن الماضي.
حمَّام النصر
وسبب تسمية جسر الحمَّام بهذا الاسم نسبة الى الحمام التركي الشعبي «حمام النصر»، الذي يقع بالقرب من هذا الجسر، وحمام النصر هو اول حمام أُنشئ في مدينة عمان عام 1927 للرجال والنساء يوماً بعد يوم، وقد تم ازالته قبل نحو عامين.
وكانت تسكن في تلك المنطقة وما حولها عائلات عمان القديمة.
على يمين سيل عمان
فمثلاً على يمين السيل وبجانب شارع الطلياني تواجدت الكنيسة الارثوذكسية وبجانبهما بيت جانبك، وهو رجل شركسي، اشتهر منزله بحديقته الجميلة، ويليه بيت احمد زايد المصري وهو تاجر، ثم بيوت اخرى لكل من: عبد الغني الدحلة، ورشدي الدحلة، وهو موظف في البلدية – ما يعرف الان بأمانة عمان - وكان مسؤولا عن عدادات المياه في عمان يقرأها ويكتب الصرفيات ويقبض الثمن، واحمد سلامة كهربائي السيارات، وبيت والدي محمد اسعد الدحلة، وبيوت اخرى لنايف علوش، واخيه وهما تاجران، ولأبي محمد الشركسي وأمه وجهية، وللحاج عبد الرحيم البوز، والحاج عبد اللطيف البوز وهم من اخوال كاتب المذكرات، وسليمان المعلواني وهو شيخ كان يدرس الأولاد الصغار في احدى غرف منزله، وعلي المعلواني وهو تاجر محله في شارع الملك طلال قرب الجسر، كذلك منازل لعائلات ابي جسار والبطيخي والطبل، وفوزي الدحلة الذي رحل فيما بعد من هذه المنطقة الى جبل عمان، وبنى بيتاً قرب مدرسة المطران، وكان اول من سكن في محيط تلك المدرسة – حتى ان رقم عداد المياه في منزله الجديد حمل رقم (6)، كذلك رقم عداد الكهرباء لديه كان يحمل الرقم (9) - ورغم ان منزله هذا قد تم بيعه من الورثة الا ان الرقم لا يزال باسمه حتى الآن، اذ حافظ المشترى عليه للذكرى.
على يسار السيل
وعن تلك المنطقة «جسر الحمام» يشير كاتب المذكرات وأمين عمان بالوكالة سابقا هاني الدحلة الى البيوت والعائلات العمّانية التي كانت تسكن على يسار سيل عمان مثل: الشيخ محمد العربي إمام المسجد الحسيني، ونديم الملاح الذي كان قديما قاضيا للقضاة، وآل الحلبوني حيث صار منزلهم الكبير مقراً للمتصرفية، وآل الشوربجي، وجنبلاط، وأيوب الشركسي، والحاج حسن والمفتي وكان منزلهما لا يبعد عن السيل سوى عشرين متراً.
سماع الراديو!!
ويتحدث الدحلة عن اجواء الحرب العالمية الثانية وعلاقة الناس بسماع الاخبار من الراديو في بداية الاربعينيات قائلاً:
لم يكن في ذلك الحين سوى راديوهات قليلة في عمان لا يزيد عددها عن عشرة، موزعة بين العائلات الميسورة، ومنها مثلا: القاسم وهو محافظ العاصمة، وعصفور، والبلبيسي، ومنكو، والطباع، والنوري، واذكر ان والدي كان في ذلك الوقت يعمل محققاً برتبة نائب في الجيش الذي كان يضم القوات المسلحة والامن العام معاً، وكان يكره الانجليز لانهم يحتلون فلسطين ويسهلون هجرة اليهود اليها، ويعطونهم اراضيها بأثمان بخسة، فقد كان والدي اثناء الحرب العالمية الثانية منحازا لألمانيا.
واذكر انه كان يأخذني معه في بعض الليالي كل يومين او ثلاثة الى بيت الحلبوني لنسمع الراديو واخبار هتلر الذي كان يُسمى (أبو علي) تغطية وخوفا من الناس، لان سماع اذاعة المانيا باللغة العربية كان ممنوعا في تلك الايام!!.
وفي ليالٍ أخرى كنت اذهب مع ابي الى جبل اللويبدة الى بيت عمتي المتزوجة من احمد ابو عزام الدباس، وكان منزلهما بجانب بيت دولة سمير الرفاعي الذي كان مستأجراً من مالكه عبدالله الدباس، كنا نذهب في بعض تلك الليالي لسماع الاخبار من الراديو عندهم لان والدي لم يكن يرغب بالاثقال اكثر من ليلتين او ثلاث بزيارة بيت الحلبوني، لذا كان يوزع زيارته لسماع الاخبار يومياً هنا وهناك، وكانت الضيافة في تلك الايام كأس من الشاي.
هتلر أبوعلي!!
ويتابع الدحلة عما يذكره عن مشاعر الناس اثناء نشوب الحرب العالمية الثانية موضحاً: كان الجميع يُسرون عندما ينتصر الألمان في اية معركة، وعندما يغرق الالمان بغواصاتهم اية سفينة حربية بريطانية ويأخذ الناس في عمان يباركون لبعضهم البعض قائلين – والله نصر ابو علي – ويفهمون تلك العبارة الرمزية، لكن الرياح تأتي بما لا تشتهي السفن، فعندما انتصر الحلفاء – سنة 1945- كما كان يقال عن الانجليز وحلفائهم والاميركان والاستراليون والهنود – الذين كانوا يحاربون معا ضد المانيا ودول المحور – أُرغم الناس هنا على اقامة الزينات وعطلت الدوائر يومها، بينما الناس لم يشاركوا في الافراح المفروضة هذه الا رغما عنهم.
خمس مدارس ابتدائية فقط!
ويعود الدحلة كاتب المذكرات مشيرا الى المدارس القليلة في عمان في الاربعينيات، حيث كانت خمس مدارس تدرس من الصف الاول حتى الصف السابع وبعضها حتى الصف الرابع الابتدائي.
والمدارس هي: مدرسة ابتدائية في شارع خرفان بجبل عمان وفيها من الصف الاول حتى الرابع، وقد درست فيها الصف الاول الابتدائي، ومدرسة ابتدائية في جبل اللويبدة اسمها المدرسة الهاشمية او كما يسميها البعض مدرسة العجلوني، وفيها صفوف من الاول للرابع فقط، ومدرسة في اول طلوع جبل عمان – طلوع الحايك- قرب قيادة الجيش القديمة وتسمى المدرسة العبدلية، وقد درست فيها ايضا من الصف الثاني الى الرابع وهو آخر صف فيها، ثم كان هناك المدرسة العسبلية عند الديوان الأميري قرب المدرج الروماني – درج فرعون - وقد درست فيها الصف الخامس، اما الصف السادس حتى الثاني ثانوي فقد كانت توجد مدرسة وحيدة لذلك في مبنى مُلك وصفي ميرزا بشارع الملك طلال – مكان سوق اليمنية الآن – وكان هذه المدرسة تسمى بثانوية عمان ومن كان ينهي الدراسة فيها ويريد اكمال تعليمه المدرسي فلا بد للحاق بمدرسة ثانوية السلط في مدينة السلط او الكرك مثلا.
وعن ذلك الزمن القديم يسرد علينا الدحلة متحدثاً عن شؤون الكهرباء والماء في عمان بقوله: لم تكن الكهرباء متاحة لمعظم بيوت عمان، بل كان ضوء مصباح الكاز هو المعروف في معظم المنازل، وعند اقامة الموالد والافراح كان لا بد من اضاءة (اللوكس) وهو جهاز قوي كبير يعطي ضوءا ابيض ساطعا يضيء مساحة كبيرة، او كان يتم استئجار اللوكس من احد الدكاكين المتخصصة بذلك، او يستعيره اهل الدار من عند الجيران او المعارف اذا كان لديهم.
كما كانت المياه تجلب من ينابيع سيل عمان بواسطة صفائح التنك، وبعض البيوت في عمان كان لديها آبار مياه، ولم تكن الحنفيات قد وصلت البيوت. كما كان هناك بعض السقايين الذين يحملون الماء على اكتافهم او الدواب ليزودوا بها بعض منازل الاغنياء مقابل النقود.
المواصلات والسير على الأقدام!
لم يكن في عمان أية مواصلات داخلية بين الأحياء، لذا كنا نذهب من منزلنا في شارع الطلياني – الايطالي – الى جبل اللويبدة او جبل عمان سيرا على الاقدام.
فقد كانت المواصلات فقط بين عمان والمحطة، وكانت التذكرة بتعريفة ثم اصبحت بقرش، ثم بدأت الزيادة أكثر مع الايام.
وكنا نذهب يوم الجمعة بباص أبوقورة الذي يقف في شارع الملك فيصل الى المحطة الساعة الثالثة عصرا تقريبا لحضور مباريات كرة القدم ما بين فريقي الفيصلي والاردن، وكانا هما الفريقان الوحيدان، ثم ظهرت بعد ذلك فرق لنوادي الجزيرة والشباب والجيل وعمان والوحدات والرمثا والحسين..الخ.
المشوار المسائي
ويقول: لا بد من الاشارة الى ان هناك مشوارا مسائيا يذهب خلاله الشباب معا في شوارع عمان لمدة ساعة من الزمن تقريبا، ويكون هذا بالسير للترفيه عن النفس في شارع الملك طلال، وشارع الملك فيصل حتى طلوع الحايك جبل عمان او لاول بداية شارع وادي السير – شارع الامير محمد، وكذلك بالسير مشياً على الاقدام في شارع الهاشمي حتى المدرج الروماني، لتجد الشباب اثناء ذلك يقفون احيانا ليسلموا على بعضهم البعض – لانهم شلل وجماعات تتكون من عدد قليل من الاصدقاء.
وكانوا احيانا يذهبون للسير في جبل عمان خلف الكلية العلمية الاسلامية، حيث كانت هناك بيادر الشركس، او يذهبون الى جبل اللويبدة حتى منطقة الحاووز وجامع السعدي.
الدحلة يجول ذاكرة عمّان في الأربعينيات
12:00 18-10-2017
آخر تعديل :
الأربعاء