لليوميات خصوصيتها الفنية والشخصية؛ فهي تنطلق من أهداف ذاتية تخص كاتبها وحده، فيحجبها عن الآخرين، ويحتفظ بها في مكان آمن؛ لأنها مستودع الأسرار، ومنفذ البوح بما يعتمل في النفس، ومصدر مهم لاسترجاع المعلومات التوثيقية في زمن كتابتها. إنها بعد انقضاء فترة معينة، مؤشر على سمات الشخصية ومكامن أخطائها، وعناصر قوتها التي تحدد اتجاه خطاها في المستقبل. ويتم كتابتها ورقيّاً على صفحات دفتر، يُروَّس من الأعلى بتوثيق زمن الكتابة تفصيليّاً، وقد تنتهي اليومية بإيراد موقف كاتبها مما حدث، وتوقعاته، وعادة ما تكون كتابتها في وقت متأخر من الليل؛ حتى يكون الكاتب خالياً من الاحتكاك بالأشخاص والأماكن، وتفرَّغ لتسجيل ما حدث. اختلفت آليات الكتابة، وأهدافها حين دخل هذا الشكل الأدبي القائم على السرد إلى مواقع التواصل الاجتماعي، ويعرض هذا المقال نماذج من كتابات د.محمد الرواشدة، ويبين هذه الاختلافات من خلالها.
كتب الرواشدة أنماطاً عدة من اليوميات، وبعناوين مختلفة، ونشرها في حلقات بعضها كان مرقماً تسلسليّاً، وبعضها الآخر تركه دون ترقيم، واكتفى بالعنوان. وهو يكتب هذه الأنماط متزامنة معاً، ويحرص على إكساب كل نمط خصوصيته التي حافظ عليها في الحلقات السابقة. وسنعرض فيما يلي خمسة نماذج لكل نمط من النمطين الذين سنعرضهما لهذه اليوميات، الأول بوصف الكاتب سارداً أو كاتباً على لسانه هو، كما نجد في ما اتخذ العنوان «يوميات عاطل عن الأمل»، والآخر بوصفه سارداً على لسان امرأة، كما نجد في ما اتخذ العنوان «يوميات امرأة خجولة».
(1)
1. كيف لي أن أقنع تلك الحمامة البيضاء التي تسكن قلبي، أنني من أجل عينيها الجميلتين المتوهجتين سأكون هنا، ولأجل قلبها المتوضئ بماء الحب سأعود إليها، وإن طال الغياب.
الحرب الكبيرة التي ﻻ يمكن أن تحسم لصالح طرف على آخر، هي تلك الحرب التي تدور رحاها في داخل كل واحد منا، بين قلبه وعقله.
(3 أيلول 2017، الساعة 07:38 ص)
2. قال التلميذ للشيخ: يا سيدي الشيخ: أنا أفهم كل لغات العالم إلا لغة زوجتي. فتبسم الشيخ ضاحكاً وقال للتلميذ: يا بني: كل البشر مثلك لا يفهمون لغة زوجاتهم؛ فاللغة عند المرأة لغز كبير.
(7 أيلول 2017، الساعة 12:56 ص)
3. أتمنى أن يجود علينا الزمان بعالم ماهر، أو طبيب حاذق، يكتشف لنا وصفة طبيبة، أو حبة دواء فعال، بحيث إذا تناوله أي إنسان يمتلئ قلبه بالمحبة والصدق والسلام، ويتخلص من الحقد والحسد، والكذب والكراهية، والعنف والفساد، ساعتها سيمتلئ الكون كله بالحب والسعادة والجمال، وتنتهي موجة الخوف والحرب والدمار.
(12 أيلول 2017، الساعة 06:33 ص)
4. من أمراض المجتمعات العربية والإسلامية المعاصرة تدهور القيم الروحانية، والجنوح المتزايد نحو الماديات والشهوانيات والكماليات، وبروز ظاهرة الكذب والنفاق.
(13 أيلول 2017، الساعة 9:04 م)
5. مؤكد أنك ستقابلها في آخر العمر، تلتقيان مصادفة في أحد شوارع المدينة الضيقة، ستكون هي كفراشة جميلة تحوم في حديقة قلبك، وستكون أنت محدودب الظهر، ممسكاً بعصاك المتعرجة، تلبس نظارة سوداء سميكة، مرتعش اليدين، ضعيف البصر، ولربما تعتمر كوفية حمراء وعقالاً أسود، بينما ستكون هي مثلما كانت في أول لقاء، طفلة شقية، جبينها ناصع البياض، أنفها الصغير متورد بالحمرة، يدها الجميلة مكتنزة بالنعمة، عيناها متوهجتان، ابتسامتها الساحرة معلقة على شفتيها.
مؤكد أنك ستمسك يدها بيديك المرتجفتين، وسيتجمد الدم في عروقك حين تنظر في عينيها، ستقول لك بصوتها الدافئ الرقيق: «ما الذي تريده (عمو الحج)؟». حينئذ ستسحب يدك من يدها، ستتوقف منتصباً في عرض الشارع الضيق، سيبقى دفء يدها في كفك الممتلئة بالخطوط المتعرجة، وستبقى تعيش على وهج الذكريات الحرينة.
مؤكد أنها ستمضي دون أن تدرك أنها كانت ذات يوم طاعن في الحزن حبيبتك الوحيدة.
(16 أيلول 2017، الساعة 08:27 ص)
***
إن قراءة النماذج الخمسة السابقة، تفرز الملاحظات الآتية:
• الابتعاد عن تسسل الأحداث وكل ما يتصل بخصائص اليوميات الفنية التي أشرتُ إليها، والاستعاضة عن ذلك بما يخطر في النفس في لحظة الصفر للكتابة سرداً، أو غير سرد.
• التحرر من زمن الكتابة الذي عادة ما يكون في آخر الليل، ليكون في صباح اليوم على كثرة، أو في أوقات غير متأخرة من الليل، وهذه الكتابات على قلَّة. إضافة إلى تحرر زمني آخر، وهو عدم الانحصار في مساحة الماضي وحده؛ فقد بات الكاتب قادراً على الارتحال إلى المستقبل حيث النهايات المتوقعة لبعض التصرفات عند مَنْ يكتب عنهم، ويتم ذلك بلغة مشبعة بالتصوير، وهو في هذا الأمر، يستفيد من شعرية النثر.
• إعلان ما تكتبه الذات على الأصدقاء والمتابعين، ومن تصل إليهم النصوص دون أيِّ اعتبار لسريتها التي تقيَّدت بها طيلة السنين الماضية؛ أي قبل ظهور مواقع التواصل الاجتماعي. والأكثر أهمية، أنها مُفرَّغة من سريتها؛ لكون هذا الذي يُطرح فيها ليس محتاجاً إلى التكتُّم، بل يحتاج إلى الملكة الإبداعية المصقولة بسعة الثقافة، والرؤية الفكرية التي يمتلكها، ويدافع عنها.
• تعمُّد الكتابة في الموضوعات التي تكون المرأة طرفاً فيها، وهذا يعني أن الكاتب لم يعد مشغولاً بمركزية اليوميات حيث تدور حول الذات، بل بات مشغولاً بقضايا المرأة.
أما بشأن الأفكار التي أراد الكاتب أن يوصلها للقارئ، فيمكن أن يكون لكل نموذج من النماذج السابقة فكرة واحدة على الرغم من تداخلها، وتشابكها؛ لكونها تمضي جميعها في أهداف كرَّس الكاتب نصوصه الرقمية من أجلها:
• رمزَ للمرأة بالحمامة البيضاء التي ينبغي أن يكون مكانها من الرجل في القلب، وذلك للدلالة على جمالها وطهارتها ومنزلتها، وأن على المرء أن يحسم الأمر لصالحها، فيتمسَّك بها، ويعود إليها دون تردُّد.
• جعلَ قولَ المرأة محتاجاً إلى تأمُّل وبصيرة، وبُعد عن التسرُّع في فهمها، وعدم اللجوء اللامبالاة بما تخفيه مكنونات كلماتها. ومن يفعل ذلك من الأمور السلبية هو غِرٌّ في الحياة.
• تمنَّى أن يسود الحب والصدق والسلام بين البشر؛ حتى يزول ما يؤرق الإنسان، ويُهدد حياته من ويلات الخوف والحرب والدمار. وهو يذكر هذا؛ لأنه يعم البشر جميعاً، ومنهم المرأة.
• أبرزَ الحاجة إلى القيم الإنسانية التي تسمو على المكاسب المادية، وتسمو على اتباع شهوات النفس بما يُلحق الضرر بالآخرين.
• خصَّ المرأة بالاحتفاظ بشبابها الدائم نظراً لقلبها الطاهر، وذلك على الرغم من تقدمها في العمر. أما الرجل الذي ينظر للمرأة نظرة خاطئة، فسيتقدَّم العمر به كثيراً، إلى الحد الذي لن يلتقيا فيه معاً إلاَّ كما يلتقي مَنْ يحتاج عطفاً عابراً، فيعيش بحزنه.
(2)
1. أنا فاطمة، يعرفني أهل الحارة «أم اليتامى» أو المرأة الحديدية والجبارة، ما إنْ تخرجت في الجامعة تخصص أحياء واستلمت وظيفة معلمة حتى جاء خالد طالباً يدي من أهلي، تمت الموافقـة وتزوجنا، خمسـة أعوام عشتها أنا وخالد -برغم الفقر وضيق ذات اليد- من أجمل أيام حياتي، وكانت حصيلة هذه السنوات ثلاثة أولاد وابنتين. وفي أحد الصباحات الموحشة، وبينما كنت في الدوام جاءني خبر وفاة خالد بالجلطة الدماغية، حزنت حزناً لم تحزنه امرأة على وجه الأرض، حزناً لو وُزع على الأرض لكفاهم، ثم لملمت بقايا أحزاني وطرحتها في بئر النسيان، ونذرت ما تبقى من شبابي من أجل أولادي، ورفضت الزواح برغم كثرة الخُطّاب... كبر الأولاد وتعلموا وتخرجوا من الجامعة وتزوجوا وذهب كل منهم في طريق، وبقيت أنا فاطمة كما أنا؛ أنيسة الوحدة والذكريات الجامدة.
والآن.. وبعدما تقاعدت من الوظيفة ووهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً واحدودب الظهر، وهاجم الضغّط والسكّري اتخذت من الناس مكاناً قصيّاً، وفي كل صباح يزورني الصمت رفيق دروبي الموحشات «نحن النساء مكتوب علينا الصبر والعطاء». تحاصرني الوحدة؛ فأنا متيّمة بالحزن والخسران.
كنت في الصباح أنهض مبكرة وأذهب بسيارتي إلى السوق أشتري الفواكه والخضراوات وأزور أحد أولادي.. اليوم الجمعة فعلت هذا.. أوقفت سيارتي وصعدت شقة ابني الكبير، استقبلتني الخادمة وتناولتِ الأغراض، جلستُ قرابة نصف ساعة في غرفة الجلوس، ثم جاءت زوجة ابني بكامل زينتها، مدت أطراف أصابعها، مددتُ يدي لها، ثم جلستْ قبالتي على الكنبة، ونادت على الخادمة وقالت: شوفي «طنط» بتشرب قهوة ولا شاي، قلت لا: شكراً. سألتها عن الأحفاد فقالت؛ ما زالوا نياماً.. ساد صمت، أخرجتْ جوالها وأخذت تحدق به، ثم جاء ابني، عانقتُه، جلس بقرب زوجته، تهامسا، أخرج هو الآخر جواله وبقيت وحيدة أحدق في الفراغ، استأذنت منهما وعدت مسرعة إلى بيتي. وكتبت: أنا امرأة مُتعبة مرهقة ووحيدة، كنت قد احترقت من أجل أولادي، كلُّ عائدِ الوظيفة والقروض والجمعيات كان لهم.
عاتبة عليكم يا أولادي.. ولكنني لست عاتبة على عمري الذي أهدرته من أجلكم. كان حبكم وسيبقى يسري في دمي، لم تغادر أسماؤكم سرير روحي، ولكن حينما أضع رأسي على وسادتي تتراكم خيباتي بكم .
يا أولادي؛
في كل صباح ومساء أنتظركم.. ولكن لا أسمع إلّا صوت رسائلكم الباردة على الجوال.. «يلعن أبو الواتس»، ماذا تنفع صور ورودكم الباردة التي ترسلونها إليّ، أو المقاطع الصوتية أو «مسجاتكم» أو مواعظكم .
يا أولادي وبناتي؛
حين أطوف في الشقة الصغيرة أتعثر برائحتكم وبقايا ملابسكم وأوراقكم وكتبكم التي تركتموها لي بعد أن عافتها نفوس أزواجكم .
يا أولادي وبناتي؛
لماذا أصبحت قلوبكم قاسية وعارية من الحب والحنان؟! هل الحب أن أتلقى -أنا أمكم- رسائلكم وتكونون قد أديتم الواجب في وجود والدكم؟! كنت أعيش على عشب الروح، كنت امرأة بيضاء، و لما توفاه الله وكبرتم ورحلتم أصبحت أقتات على وهج الخوف. أربعين سنة يا أولادي وقنديل قلبي موقد لكم، واليوم لم أجد من يمسح دمعة حزني، أو يُلبسني معطف الشيخوخة. سأبقى أناجي جدران غرفتي الصماء، وأقرأ سيرة سيدة العشق الإلهي رابعة العدوية، وسيكون الله معي، وأتوضّأ بآيات الرب، وأملأ قلبي عشقاً بالحياة، فعسى تدنو مواسم فرحي وتتدفق في عيوني ينابيع الموت وتتسع صدوركم يا أولادي لأكفان حياتي وموتي.
آه يا أولادي وبناتي
لم يتبقَّ مني شيء أمنحكم إياه، سوى خصلات شعري البيضاء، وخريف عمر وذكريات حزينة، وحقائق مرّة، وورود ذابلة في حديقة قلبي سقيتها من دمع عمري.
أخيراً يا أولادي؛
ها أنا أقف على الباب أنتظر الموت.. أنا فاطمة أمكم «أم اليتامى»، لا أبتغي منكم شيئاً.. فقط حُقنة من صوتكم، نظرة من عيونكم، تجعلني مبتهجة فيما تبقى لي من أيام، فلا تكونوا بخلاء.
(29 نيسان 2017)
2. في كل صباح أُخرج قلبي من صدري، أمسكه بيدي، أغسله بماء العشق، وأعطّره بحنين الذكريات، أهزه بعنف وأقول له: صباح الخير يا قلبي... صباح الخير أيها المُثقل بالحلم، فيرد عليّ بهدوء قائلاً: صباح الخير أيتها الحمامة البيضاء.
(24 أيار 2017)
3. في منتصف الليل الموحش كتبتُ له على «الواتس»: أقسمتُ ألّا يكون في قلبي إلّأ نتَ. رد قائلاً: عحباً لقلبكِ، فكل جهاته تحرض على العشق. فكتبت له: قلبي لم يعدْ لي. فرد قائلاً: العشاق وحدهم مَنْ يبتهجون بفصل الربيع. فكتبت له: لا تترك مسافة بين الحزن والأمل. فرد: أتمنى أن أُقلّص مساحة الأرض حتى أقترب من عينيك.. فكتبت: وحدها الابتسامة مَنْ يُثقل كاهل القلب فتجبره على الصمت. وكتب: ابتسامتك تُشعل النار في قلبي. فقلت: الألم طريق السؤال. فقال: الألم هو البهجة، وهو هدية وليس عقاباً. فكتبت: مسَّنا العطش. لكنه كتب: البحار هي العطشى. فكتبت: حدس النساء أقوى من تفكيرهن. فكتب: وحده الرمل لا يشرب الماء. فرددت: أُريد أن أبدأ. فقال: صوتك كالموسيقى لا يقبل الترجمة. فقلت: سأتسلق سلّم النسيان. فكتبنا :ما زالت السماء جميلة وزرقاء ومرتفعة.
(1 حزيران 2017)
4. أنا امرأة حزينة، ووراء كل امرأة حزينة رجل. كنت -قبل أن أعرفه- امرأة زرقاء كالسماء، نقية كوجه البحر، مسكونة بالخجل، أحب الحياة، وأبتهج للحرية، أقتات على الحب والذكريات. أما الآن، فأنا امرأة من لهب، امرأة من ثلج.. امرأة من نار أبتعدُ عنهم، ويقتربون مني، أقترب منهم لكنهم يبتعدون عني، أكاد أشرب دمي، أصبحت أكره رائحة الرجال بل لا أطيق مجرد أسمهم. حياتي كلها صمت وحنين، وحيدة كقطة تموء في شوارع المدينة، كل من حولي يضحك وأنا الوحيدة التي أبكي، أنا الوحيدة التي أمضغ جوع الليل وليل الجوع.
حينما أعود من عملي أغلق غرفتي على نفسي، يتوتر قلبي، يحترق كياني وجسدي، أشعر أنني مجرد جثة ملقاة على خاصرة الطريق لم تجد من يواريها التراب. أهلي يقولون عني إنني امرأة «نكدية» «ذات لسان سليط، و»لا يعجبني العجب، ولا الصيام في رجب»، ربما أكون مثلما يقولون، ولكنني –والله- أحب الحياة والموسيقى وبتهوفن وأم كلثوم، وأكره اللحوم المجمدة، والدجاج الفاسد الذي يباع في المولات الخادعة. وبرغم أن قلبي ممتلئ بالدمامل، وأن الصحراء تشبهني، وأنني ما زلت أبتلع صمتي وأتأمل جرح قلبي، إلّا أنني امرأة يتيمة بلا وطن وبلا رجل وبلا حنان.. لكنني على يقين مرة أخرى أن وراء كل امرأة حزينة رجل «مقرف» يعتقد –مخطئاً- أن بمقدوره تحويل أيّ امرأة من حمامة بيضاء إلى مجرد ذبابة حمقاء.
(14 حزيران 2017)
5. عشرون عاماً مرت على زواجنا، حاولت خلالها وبكل لغة وأسلوب أن أتعامل معه برقيّ ومحبة، كنت أحاول أن أجعله يتغير. كان رجلاً أنانيّاً مستبداً عديم الاهتمام بي؛ من الصعوبة بمكان فهمه، فهو ﻻ يشعرك أنه يحترمك، ﻻ يتحدث بأسلوب الرجال، كل شيء بالنسبة إليه ﻻ قيمة له، ﻻ يحب أن يتحمل مسؤولية البيت، كلما حاولت الاقتراب منه ازداد بعداً عنه، كنت أصارحه بخطاياه فيثور في وجهي. قلت له ذات مساء شتائي: أيها الرجل الزوج بوسعك أن تجعل حياتنا جنة أو أن تجعلها جهنماً. قال: ستكون حياتنا جهنماً.. أحسن، فنحن بحاجة الى الدفء.
(9 أيلول 2017، الساعة 10:02 ص)
***
على الرغم من ترتيب النصوص السابقة زمنيّاً، فإن هذا الترتيب لا يعني شيئاً؛ لأن الكاتب لا يتتبع حركة شخصية معينة تكتب يومياتها. ليست المرأة إذن ذات ملامح مضمونية واحدة وممتدة، إنها الأنثى التي تتشكل في كل امرأة طالتها يد الإساءة من قبل الرجل بخاصة، وعلى يد الآخرين بعامة.
ويمكن إجمال السمات التي اتخذتها المرأة من خلال ما سبق في النقاط الآتية:
• المرأة (الأم) التي أدت دورها بكفاءة عالية حين نشَّأت أبناءها، ولكنهم تنكَّروا لها حينما تزوجوا وأصبحت لهم عائلاتهم.
• المرأة التي يكتنزها الحب والبراءة والطهارة. وما يُلاحظ، هنا، أن القلب يُنادي عليها بتسمية «الحمامة البيضاء»، وهي ترد في اليوميات الأخرى التي تتخذ عناوين غير هذا العنوان، ومعنى هذا أن الكاتب يحمل رؤية راسخة تنفتح على الكتابات جميعها.
• المرأة التي تعطي أعذب الكلام حينما يكون الطرف الآخر (الرجل) قادراً على التسلل إلى قلبها، ومبادلتها التعبير عن الحب.
• المرأة التي خرجت عن طورها، فصارت نكدية، وسليطة اللسان.. بعد أن كانت نقية، وخجولة.. ولكن بقيت فيها جوانب روحية وقيمية. والسبب في خروجها عن طورها ما أصابها من أذى قام به الرجل الذي لم يكن يقدر قيمتها آنذاك.
• المرأة (الزوجة) التي يعاملها زوجها بالقسوة، والجلافة، والأنانية.. على الرغم من أنه قادر على تحويل البيت الذي يعيشان فيه إلى جنة.
تستطيع الكتابة الإبداعية أن تتشكل على ألسنة الجمادات والنباتات والحيوانات.. وهذا شأنُ سحرِ الفن شعراً ونثراً، ولكن الأكثر أهمية مدى قدرة المبدعين على إقناعنا فنيّاً بأن هذا الصوت الذي نسمعه هو للشخصية التي صاغها الكاتب. لقد استطاع الرواشدة أن يوصل إلينا قضايا المرأة بصوته سارداً وكاتباً، وبصوتها ساردة وكاتبة. وكوَّن له جمهوره العريض الذي يؤمن برؤيته، ويناصرها.. إنه بهذه اليوميات المتعددة، والتي يواظب على نشرها في حلقات، يعمل على تغيير الصورة النمطية العالقة في الذهن عن المرأة، والتي تبدو بأشكال مختلفة على مواقع التواصل الاجتماعي. وهذا ما يُسهم في بناء نظرية أدبية رقمية على أساس قيمي يتجه صوب المرأة تحديداً، والسياق الاجتماعي الذي تعيش فيه، فيسعى إلى تفعيل الجانب الروحي في التعامل مع المرأة؛ لأن النظرة الخاطئة التي تتجه إليها جسداً، أو مخلوقاً هامشيّاً، أورثتها مشكلات كان يمكن تحاشي وجودها لو تعامل الرجل معها روحاً، وتعامل مع الجسد مكمِّلاً للروح، وتعامل معها بوصفها شريكاً حضاريّاً في الحياة.
استطاع الرواشدة في نصوصه القصيرة أن يستخدم جماليات التصوير، ورمزية الكلمات، والمفارقة، إضافة إلى السرد. وفي النصوص الطويلة، طوَّع اللغة للتعبير عن الحالة النفسية التي تمر بها المرأة، ولجأ في بعض الأحيان إلى نقل التعبيرات العامية كما هي، ووضعها بين أقواس تنصيص؛ لكونها نابعة من نبض المجتمع الذي يتحدث ابه، مع الحفاظ على بعض العناصر السابقة فيها بحيث لا يشعر القارئ أن الإطالة أدت إلى تأجيل القراءة أو النفور منها. وهكذا، كانت الأحداث التي تسردها كل امرأة تعاني في مجتمعها مشوِّقةً ومثيرة بحيث يضفي هذا التنوع كسراً للرتابة، ويجعل الخيط الذي تمرُّ به جميعها واضحاً، ودافعاً للتأمل، ورفض كل ما يسيء للمرأة؛ لأن هذه الإساءة ستنعكس على حياة مَنْ حولها، وتؤثر في المجتمع تأثيراً سلبيّاً.
كتابة اليوميات في مواقع التواصل الاجتماعي قراءة في تجربة محمد الرواشدة
12:00 7-10-2017
آخر تعديل :
السبت