الحدث غير عادي، وقع في ظروف غير عادية، قفز فيها مسعود بارزاني على حبال السيرك السياسي الإقليمي بطريقة زودتنا بالإثارة ، وفتحت شهيتنا للكتابة عن العوامل الكامنة وراء هذا السلوك أكثر من مرة لخطورته، ولأن الضغينة في السياسة تلعب أحط الأدوار، حسب قول لينين.
يقول البرزاني، كما يقول مناصروه، إن خطوته الواسعة تمت تحت شعار «حق تقرير المصير»، ويقارب بعض السياسيين والكتاب العرب بين حق تقرير مصير الشعب الكردي وبين حق تقرير مصير الشعب الفلسطيني، رغم وجود فارق كبير بين الحالتين، فالشعب الفلسطيني تحت الإحتلال ويطالب بالحرية والإستقلال واقامة دولته، اما الأكراد في العراق فهم مواطنون عراقيون يتمتعون بالحكم الذاتي (دولة كاملة الأوصاف)، وأخذوا حقهم وزيادة، لأنهم فازوا بحصة كبيرة اخرى في الحكم المركزي، واحتلوا مناصب سيادية في بغداد.
عندما نتحدث عن «حق تقرير المصير» يجب التذكير بان هذا المبدأ الذي نسب الى الرئيس الأميركي وودرو ويلسون بعد الحرب العالمية الأولى كان هدفه منح الشعوب التي كانت تابعة لدول اخرى حق تقرير مصيرها، وتبين في وقت لاحق أن هذا المبدأ سيفكك ويفتت الدول الاوروبية الى دويلات فتم تعديله لمنح الشعوب المستعمرة التي تطالب بحريتها واستقلالها حق تقرير مصيرها.
الخطورة في الموضوع ان تطبيق مبدأ حق تقرير المصير عشوائيا وبلا مبررات، يعني تفكيك معظم دول العالم وتفتيت مكونات شعوبها، وبالتالي القضاء على مفهوم العيش المشترك بين الطوائف والأعراق في المجتمعات، واقامة الدول العنصرية المشبعة بالتعصب القومي أو الديني لتتصارع على قاعدة قومية أو دينية، متجاوز مسـألة الصراع الطبقي الذي يعتبره الفكر اليساري الأممي المحرك الحقيقي للتاريخ.
ويذكر التاريخ ان الأتحاد السوفياتي دعم ثورة الأكراد في ايران ضد حكم رضا بهلوي الذي فر من البلاد ، بسبب اضطهاده للأكراد كقومية والتضييّق عليهم ، واقاموا دولة « مهاباد « في العام 1946 ، ولكنها لم تصمد سوى 11شهرا ، لأن ستالين أوقف دعمه لهم ، لأن العقيدة الشيوعية لها راي في المسألة القومية ، باعتبارها تتعارض مع الفكر الأممي والصراع الطبقي ، فسقطت «الدولة « واعدم رئيسها قاضي محمد وفر مصطفى البارزاني الى العراق.
منذ ذلك التاريخ ظلت المسالة الكردية تشغل وتشعل المنطقة ، وفي مقدمة المهتمين عدد كبير من الباحثين الذين نشروا دراساتهم وابحاثهم وكتبهم حول تاريخ ونشاة وحضارة الشعب الكردي ، الا ان الأراء لم تجمع على حقيقة واحدة ، فهناك نظريات متعددة حول هذه المسالة ، الا أن الأكراد يذكرون في نشيدهم الوطني أنهم أبناء المديين ، ولكن هناك من المؤرخين يذكر أنهم جاؤا الى العراق من اذربيجان وجبال زاغروس وافغانستان وايران ، وان الشعب الكردي تشكل من عدة قبائل ، ولكل قبيلة لهجتها الخاصة بها ، مع ان الكرامنجية هي لغة الغالبية.
وكما تعددت اللغات واللهجات والقبائل الكردية تعددت المذاهب والطوائف الدينية ، فهناك الأكثرية السنية والى جانبها اقلية شيعية ، اضافة الى اقلية مسيحية وازيدية واللاادرية. المهم في هذه المسألة ان هذه الجموع الكردية اندمجت مع شعوب المنطقة ، وهناك نظرية تقول ان « معظم الشعوب والأمم تخلق عن طريق الحروب والغزوات والثورات « وربما القبائل الكردية وصلت الى المنطقة بواسطة هذه العوامل واندمجت في مجتمعاتها وعاشت بسلام عبر تكريس مبدأ المواطنة والمساواة والعدالة والعيش المشترك.
ولكن قرار البارزاني بالانفصال خرب المعادلة عراقيا واقليميا ، فهناك رفض اقليمي ودولي للقرار ، ولم يؤيده سوى اسرائيل التي ابتهجت ، حتى أن نتانياهو قال بوقاحة أن « كردستان تشكل العمق الأستراتيجي لأسرائيل « ، كما رفعت ألأعلام الأسرائيلية في اربيل بابتهاج.
منذ البداية مارس بارزاني عملية ابتزاز بشعة ، حسب ما أعلنت حكومة العبادي. فبارزاني يتصرف بعائدات الأقليم بعيدا عن المراقبة والمحاسبة ويريد تامين رواتب البشمركة من بغداد ، اضافة الى توسيع مساحة الأقليم الكردي على حساب عرب العراق. هذه هي اسباب الأزمة التي خلطت الوراق في المنطقة ، وهي بالتالي معركة خاسرة بامتياز ، لأنها أزمة اقليمية ودولية .
«المسـألة الكردية» قلبت الطاولة الإقليمية!
11:00 27-9-2017
آخر تعديل :
الأربعاء