ابواب - زياد عساف
”يافرحة ما تمت ! ” مقولة شعبية دارجة تلخص الحال الذي وصلت اليه بعد ان فقدت فرصة ثمينة بغناء لحن أعد لها خصيصاً، ابدعه شاعر بوزن ًصلاح عبد الصبور وتلحين كمال الطويل، مع ذلك لم تفلح بأداء اللحن بالطريقة التي ارتاّها الملحن رغم اجراء بروفات عديدة و مضنية، ليظهر صاحب النصيب فتى نحيل الجسم ، قصير القامة، وهو عازف الة الابوا الذي خرج فجأة من بين اعضاء الفرقة الموسيقية عارضاً رغبته على الملحن بأن يغنيها انقاذاً للموقف فكان له ما اراد، وحظي بتسجيلها بصوته نهاية الأمر بعد ان أثبت براعته بالأداء و تم اعتماده مطرباً بالإذاعة من خلال هذه الأغنية التي حملت عنوان ” لقاء ”، ليصبح فيما بعد نجم الغناء العربي عبد الحليم حافظ، ولتبقى هي عاثرة الحظ مديحة عبد الحليم واللذان وللمفارقة العجيبة سبق و جمعهما العمل في الأوبريت الإذاعي ” موكب الربيع ” وكان من بطولتها وتقدم اسمها على اسم حليم !، كل هذا يؤكد نتيجة مفادها انه ومع بروز كل مطرب او موسيقى لمع اسمه على الساحة الغنائية، يوجد في المقابل العديد من المبدعين في الظل لم يأخذوا فرصتهم، مما أفقدنا أصوات كثيرة كانت ستحدث تطوراً ملموساً في نهضة الأغنية العربية التي مازلنا نحاول ونأمل بإعادتها الى سابق عهدها الزاهر الذي لايختلف عليه او حوله احد.
” صور غنائية ..“
من القاهرة أواخر الأربعينات بدأت مديحة عبد الحليم خطواتها الأولى كهاوية ثم احترفت الغناء عام 1950 بعد ان تم اعتمادها كمطربة في الاذاعة، لتواصل سيرها بعد ذلك باذلةً قصارى جهدها لإثبات حضورها ضمن منافسة صعبة لوجود مطربات شهيرات سبقنها لهذا المجال امثال ام كلثوم وليلى ومراد و فتحية احمد و نجاة علي و رجاء عبده، رغم حداثة سنها تلك الفترة حيث تؤكد المصادر انها مواليد عام 1928 .
استمرت مديحة بالغناء حتى اوائل الستينات، في البداية شاركت بمجموعة من الصور الغنائية الإذاعية والتي تميزت بها الاذاعة المصرية ومنها ” خوفو“ و ” زارع المعروف ” و ” العروس و الملاح ” و ” ساحة الغفران ” و ” قرية الجن ” و ” ياليل يا عين ” و ” الباني طالع ” و ” صقر قريش ” و ” دار الهنا ” ، مقتسمة ادوار البطولة بهذه الأعمال مع ثلة من نجوم الغناء و التمثيل في مصر انذاك امثال فايدة كامل و كارم محمود و اسماعيل شبانة وعبد المنعم مدبولي ومحمد رضا وحسن فايق.
«أمير الدهاء»
على الشاشة الكبيرة اقتصرت مشاركتها على الغناء فقط وبفيلمين أولهما ” دعوة المظلوم ” انتاج عام 1956 للمخرج كامل الحفناوي و البطولة ل عمر الحريري وزهرة العلا ، ثم عادت للمشاركة عام 1964 بفيلم ” امير الدهاء ” مع فريد شوقي و نعيمة عاكف و شويكار و توفيق الدقن واخراج بركات، غنت مديحة عبد الحليم بالفيلم ” قاضي الغرام ”، وهي واحدة من الاغنيات التي عرفت بها وغنى بالفيلم بالاضافة لمديحة كل من محمد قنديل و شهرزاد و الثلاثي المرح، والعمل مقتبس عن قصة الكونت دي مونت كريستو ويعتبر إعادة و تكرار لفيلم ” امير الانتقام ” 1951” لنفس المخرج بركات وتمثيل انور وجدي و سامية جمال ، مسرحية ”عنتر ” كانت المشاركة الوحيدة و اليتيمة التي ظهرت بها على خشبة المسرح تمثيل سميحة ايوب و محمد الطوخي وتأليف احمد شوقي.
” فات يوم من غير ماتكلمني“
مما يثير الدهشة ان من تغنت مديحة عبد الحليم بألحانهم بعد ذلك، هم نفسهم من قدموا اروع الالحان لأم كلثوم وعبد الحليم على سبيل المثال ومع ذلك نتحدث عنها الان كمطربة منسية، محمد عبد الوهاب كان على رأس من لحنوا لها وخصها بلحن ” فات يوم من غير ماتكلمني” وهي اغنية جميلة لحناً و أداءاً وفي الوقت نفسه اعادت بعض اغنيات موسيقار الأجيال ومنها” انت انت ولا انتاش داري ” و ” كل دا كان ليه ” و ” لاتكذبي ” ، ومن الحان رياض السنباطي” ايه بس اللي اتغير ”، محمد القصبجي ” ابتسامتك يا حلاوة ابتسامتك ” ، احمد صدقي ” يخونك شبابي ” و ” اّهين ياني ” ، مدحت عاصم ” حبيب حياتي ”، بليغ حمدي ” هتف بي الشوق ” ، ” اعاتبه لأ ” و ” لايمها وكفاية ” ، كمال الطويل ” ما اعرفش ايه مكتوب ” ، عبد العظيم محمد ” وحشتني ” و ” اعمل ايه فهمني ” ، علي اسماعيل ” محلا السهر ويا القمر ” ، ” سلة الزهور ” و ” ح اسامحك ” ، حسين جنيد ” الحب مين يقدر يداريه ” ، ” حياتنا في الغرام غنوة ” ، ” كان ويايا وراح على فين ” و ” عيد الورد ” ، سيد اسماعيل ” سامحني ” ، رؤوف ذهني ” فين حبي ” ، ” في الورد طير مجروح ” و ” انت و انا ”، فؤاد حلمي ” شوف كام يوم سهرت عنيا ”، عبد الحميد توفيق زكي ” زهرة راقصة ”، عزت الجاهلي ” انت في طريقي ”، جلال حرب ” ياما كنت بداري”، محمد قاسم ” راح يا قلبي ” ،عبد الرؤوف عيسى ” رمشين جارحين ” و احمد صبره ” ياليلة الاحلام ”.
لم يقتصر غناء مديحة عبد الحليم على الملحنين الكبار وغنت لموسيقيين غير معروفين امثال لبيب عبد الحليم ” روحوا اسألوه ، يوسف شوقي ” احلامي ”، عبد الحليم علي ” فتح يا ورد ” ، محمد صادق ” ميعاد حبيبي ” ، منير المليجي ” ليه يا قلبي ” و سليمان فتح الله ” القلب و العين”.
« أوصيك بيِّا ..»
تعاونها مع هذه القامات الكبيرة من الموسيقيين يفرض بطبيعة الحال ان تتسم اعمالها بالتنوع وخاصة ان منهم من يمثل مدرسة خاصة في ساحة الغناء العربي عموما ، يؤكد ذلك استعراض قائمة الأغاني التي قدمتها والتي قاربت الستين، من نوعية الأغاني الخفيفة والسلسة غنت ” أوصيك بيا ” من كلمات صلاح جاهين والحان سيد مكاوي ومن كلماتها ” انا شفت عيون حلوة ومتبسمة .. أتاريها عيون قادرة و متحكمة .. يا حبيبي أمانة عليك قلبي و روحي .. دا انا لسه يادوب على اول سلِّمة ”، ومن هذا اللون قدمت أيضاً ” شغلانة ” ، ” عشمتني بالحلق ” ، ” وياك للنهاية ” و ” احلامي ”، ومن الأغاني الوصفية التي تتغنى بالطبيعة كان لها مجموعة اعمال منها ” غني و قول يا طير ” ، ” الصبح نوره بان ” و ” فتان وجميل و ساحرني يا نيل ” .
خصت الأم بأغنية ” نجوى أم ” ومن الأغاني الثنائية اشتركت مع كارم محمود في دويتو” مكتوب لقلبي الليلة ” و ” ان عشت يومك ” ، وجمعها مع اسماعيل شبانة دويتو ” شوف الزهور نادية و نعسانة” ، و ” عروستنا احلى من القمر ” مع سيد اسماعيل ، و ” لاجئتان ” بمشاركة المطربة ” ابتسام حلمي .
أرشيف الأغنية الوطنية في مصر تضمن العديد من الأعمال التي عبرت عن الأحداث السياسية التي عاشتها ارض الكنانة في الخمسينات و الستينات ومديحة عبد الحليم تعتبر واحدة ممن ساهموا بمجموعة اغنيات وطنية واكبت هذه الأجواء مثل ” كفاح بور سعيد ” ، ” وطني العربي” ، ” فرحة الشعب ” و ” فجر يوم جديد ” .
” اعتزال .. ”
يعتبر الكثيرون ان مديحة عبد الحليم واحدة من المطربات القلائل اللاتي تميزن بالأغنية الدينية لما قدمته من مجموعة اغنيات ليست بالقليلة تميزت بصدق الأداء و الإحساس ومنها ” يا بخت من زار الحرمين ” ، ” سبحانه في علاه ” ، دعاء ” يا خالق الكون ” ، دعاء ” اسأل ربك ” ، ” فرحة الغفران ”، ” شهر الصلاة و الصوم ” ، ” محلاك يا شهر الكرم ” ، ” فاتت سنة و جيت يا رمضان ” ، ” يا حجة الله على الخلق ” ، ” مولانا دعانا ” وغنتها بمشاركة اسماعيل شبانة أيضاً ، هذه الخصوصية لم تأت من فراغ فهي بطبيعتها انسانة متدينة بالإضافة لكونها من اسرة محافظة جدا ، يقودنا هذا لاستنتاج ان من اسباب اعتزالها الغناء انها عاشت بين شد و جذب مابين الإعتزال او الاستمرار ،الى ان جاء ذاك اليوم الذي قرأ فيه الناس بأحد الصحف اليومية خبر اعتزال مديحة عبد الحليم من خلال اعلان مدوفوع الأجر وبإيعاز و ضغط من شقيقها الأكبر لتختف عن الوسط الفني حتى اصبحت مغيَّبة تماما لدرجة عدم وجود اي مصدر يحدد تاريخ وفاتها ، مما يلفت الانتباه أيضاً عدم وجود تسجيلات لها في التلفزيون باستثناء أغنية واحدة سجلتها مع فرقة الموسيقى العربية اوائل الستينات في التلفزيون المصري وهي بعنوان ” طمني على حالك دايماً ” وضمن برنامج الموسيقى العربية والملاحظ بهذا التسجيل ورغم جمال صوتها انها كانت تجد صعوبة في الوقوف امام الجمهور وبالتالي لم تستفد كغيرها من الظهور على الشاشة الصغيرة التي عززت من شهرة الكثير من بنات جيلها من المطربات .
” فيديو كليب زمان ..“
باستعراض لمجمل الأعمال التي قدمتها مديحة تستوقفنا واحدة من أغنياتها التي صوِّرت بواسطة الكاميرا السينمائية بفترة الستينات وهي ” فنجان شاي مع سيجارتين ” واشتركت بالغناء في هذا العمل مع ملحن الأغنية في الوقت نفسه الموسيقار محمد الموجي ، وهي من مجموعة اغنيات انتجها التلفزيون المصري تلك الفترة بنفس الطريقة اي الكاميرا السينمائية قبل ظهور ما يسمى الفيديو كليب بفترة الثمانينات والذي قلد هذا الأسلوب ولكن بطريقة خاطئة و منفرة في معظم ما تم انتاجه لغاية الان ،على عكس أغنية الموجي و مديحة والتي تم تصويرها بسيناريو مدروس وفرقة راقصة تؤدي حركات تعبيرية منسجمة و معبرة عن مضمون هذه القصة المغناة تخللها مشهد تمثيلي تصدره الفنان يوسف شعبان، أغنيات كثيرة انتجها التلفزيون المصري وبنفس الأسلوب ومنها على سبيل المثال ” الراجل دا حيجنني ” الذي يجمع بين فؤاد المهندس و صباح ، واغنية ” مين قاللك تسكن في حارتنا ” لشادية ومن الأغاني الوطنية التي صورت بالكاميرا السينمائية كذلك ” الوطن الأكبر ” و ” الجيل الصاعد ” غناء عبد الحليم ومجموعة من اشهر المطربين والمطربات و«يا حمام البر» للمطربة المصرية احلام ، و ” حبيت بلدي ” غناء سيد اسماعيل ، و ” ست الحبايب ” التي تم إخراجها ضمن سيناريو جميل أيضاً بمرافقة صوت فايزة احمد وتمثيل عزيزة حلمي و زهرة العلا و محمد عوض.
جاءت معظم اغاني الفيديو كليب على عكس هذه النماذج التي ذكرناها إذ نادرا ما نستمع و نشاهد فيديو على غرار ماسبق يوظف القصة والتمثيل بشكل محكم ، بل على العكس ما نشاهده حاليا عبارة عن مشاهد غير مترابطة ولايوجد سيناريو او قصة ، وينتقل بك المخرج في لقطات من البحر الى الصحراء الى الجبل ثم يوقد ناراً ولاندري نهاية الأمر الرسالة او الغاية التي يريد ان يوصلها لمن خانه الحظ وشاهد هذه النوعية من الاعمال، باستثناء بعضها مثل ” مع الجريدة ” لماجدة الرومي وعلى سبيل المثال .
ماّخذ وملاحظات كثيرة أيضاً تسترعي الإنتباه لظاهرة الفيديو كليب الحالية، اذ ان الكلام المغنى عادي و ساذج لأنصاف موهوبين ممن يطلق عليهم كتاب وعلى عكس النماذج التي تطرقنا لها، فأغنية مديحة عبد الحليم والموجي ” فنجان شاي ” صاغها شعراً مؤلف بوزن حسين السيد ، ويستوقفنا بهذه الأغنية ان الفتيات المشاركات ظهرن بالعمل بشكل محتشم ورزين وهذا ماينطبق على الأغنيات الأخرى التي ذكرناها، بينما اغاني الفيديو كليب وعلى الأغلب تقدم المرأة كجسد فقط وكأننا لازلنا نعيش زمن الجواري بهدف تحقيق الربح المادي وبالوقت نفسه تغييب القيم الإنسانية والحضارية التي هي اساس ثقافتنا العربية و المرتكز الأساسي للنهوض و التطور.
« يا حبيبي الجواب سرقوه»
ما الذي من الممكن ان يحدث عندما تقع رسالة خاصة بيد العوازل، هذا ما تجيب عليه مديحة عبد الحليم بواحدة من أغنياتها وتقول كلماتها ” ياحبيبي الجواب سرقوه .. والسر اللي فيه عرفوه ..ياريتك نسيت عنواني.. وجوابك رجعلك تاني.. ولا كانوا يا روحي شافوه ”، تفتح شهيتنا هذه الأغنية باستعادة الألحان العربية والتي كان السر هو المحور والمضمون للأغنية .
العواطف المخبوءة تثير الكثير من الأسئلة تبدأها نجاح سلام « الحب ايه اسراره قولولي.. مين اللي يقدر يوصفهولي «، وعلى طريقة اسأل مجرب ولا تسأل طبيب تستفسر شادية « يا مجربين الهوى ..العشق سره ايه « وحورية حسن « الحب له اسرار.. يعلم بها المشتاق».
«قلت له بحبك بالسر ..»
موسيقار الأجيال قام في بداياته بدور « حكيم عيون « الذي يكشف اسرارها « ما تعرفيش إنِّي أقدر أقرا أفكارك.. ومن عنيكِ أقدر أقول كل أسرارك «،
ولأسرار العيون هذه جاذبية من نوع مختلف يكتشفها أيضاً عبد العزيز محمود « يا مزوَّق ولا النوار.. ومكحَّل عنيك أسرار».
عندما تضيق الصدور لم تجد هدى حداد سوى الليل لتبوح بأسرارها « بيني وبينك في اسرار .. وبتعرف احزاني.. وتبقى امرقلي ع هاك الدار.. وقول له ما ينساني «، وعلى الجانب الاّخر كان البحر الملاذ الاّمن للسر لدى محمد رشدي « دايما يا بحر تخبي اسرارنا .. ولا عمرك مرة بتحكي اخبارنا «.
افشاء السر ولَّد خيبة أمل عند صباح « قلتله بحبك بالسر اوعى تطلع اشاعة ..صار يقر.. يقر.. يقر ..وظل يبر يبر.. يبر .. تاوصلت ع الإذاعة !»، والحال نفسه عند المطربة الأردنية سلوى « هاتوا القلم و الدواه ..لاكتب على دراعي ..سر المحبة انكشف ..بين الخلق شاعِ» .
« ليه بتخبي سر هواك ..»
الكتمان يبقى الصفة الأجمل رغم انه اثار فضول مديحة عبد الحليم بهذه الأغنية التي قدمتها في البدايات « ليه بتخبي سر هواك.. ليه بتداري نار نجواك.. ليه بتخبي دموع العين.. وتفوتها محبوسة بدمك.. سيبها تسيل فوق الخدين.. يمكن دمعك يفرج عنك» .
بفيلم « نغم في حياتي « 1974 لم يجد فريد الأطرش طريقة أفضل للتعبير عن نفسه كعاشق سوى انه حافظ وكاتم للأسرار :
« حبينا.. حبيناكي حبينا
لو ما حبينا عيونك.. ما تعذبنا ولا جينا
وحياتك بنضحي الروح
مش ممكن بالسر نبوح
مطرح ما بدك بنروح
وين مابدك اّه ودينا!».
مديحة عبد الحليم .. من «قاضي الغرام» إلى غياهب الاعتزال
12:00 19-9-2017
آخر تعديل :
الثلاثاء