كتاب

توأما نهرٍ... حبلٌ سُريٌّ واحد

م. باهر

تقطع النهر المبارك (نهر الأردن) شرقًا غربًا... ذهابًا أم إيابًا، سترى ذات السهول والتلال والجبال، ذات العقال/ الشّماخ، ذات الوجوه بالبسمة أو(الكشرة) وتجعّد الجبين من مقارعة الشّمس والصّخر ونوائب الكون والدنيا والإنسان، نفس سواد العيون ودقّة وعلوّ الأنف وانحناءة الحاجب وانسدال رموش العين، نفس الرّسم الوشم الأخضر خضار العشب في دقّات الحِنّاء تحت الشّفاه وأسطح الكفوف وأصابع العرائس والختيارات. نفس الكحل من فحم الليمون من رحم الأرض توأما الأرض تنامان على ضفتي نهر كان يهدر كالبركان. ستسمع نفس الدّعاء نفس الأناشيد والعراضات ودبكات الشّباب، نفس الحكايا والرّوايات عن الأجداد وأبي زيد الهلالي وبطولات الزّندين في وادي التّفاح النابلسي وأعالي الأسوار المقدسيّة وحقول الكرامة الغورانيّة. ستسمع صوت المؤذّن يصدح من ذات المئذنة في نفس موعد الفجر والمغرب والعشاء، فالميقات واحد والإيمان واحد والمؤذّن عينه. ستطرب لترانيم الأجراس عينها، لطنين النّحل في الأغوار ورفّات الفراشات وزقزقة العصافير وأزيز «الطّزّيز» في الليالي الهادئة في بساتين الكرمة والزيتون والليمون في حقول وبيادر لن تسطيع أن تميّز إن كانت هنا أو...هناك.

نفس الوجوه هي هي هنا وهناك على الضّفّة الواحدة لا الضّفتين. أنت لن تفرّق أحد التوأمين عن الأخر، كيف لا والحبل السُّري واحد هو النهر، حيث تعمّد المسيح وعبّأ الجند زمزمياتهم وسقوا خيولهم وملأ خالد بطون الإبل ماءً زلالًا مباركا ليفتح الفتح الكبير...كذا صلاح الدين وأجنادين. الجميع هنا وهناك من ذات رحم الأمّ... واحدة وصلب الأب... واحد.

تنظر في مرآة الباص الحزين التّعِب المنهك الذي طوى المسافة ألف ألف مرّة ممّا يرى من مأساة مرّت بها أجيال حملها أنهكها التّعب والنّصب وتسلّط غريب أتى في كحل ليل بهيم ينقلك ما بينها، يمرّ فوق مجرى النّهر الصابر المرابط المشتاق فترى ما خلفك هو عينه ما أمامك. لا تستطيع أن تفرّق، من ودّعك بالأحضان والقبلات والزّفرات والقلق عليك وبالدموع... هناك، تلقاه يستقبلك بمثلها، بالحضن بالحنين بالدّموع بالقبلات... هنا. ما يفرحك يفرحهم وما يفرحهم هناك نفرح به هنا.

أما الغضب... فواحد والقلق واحد والهبّة واحدة. كلّ ينتصر للكلّ يغضب للكل يحبّ للكلّ ويكره حتى العظم من يمسنا بضرٍ للكل. تاريخنا واحد أزماتنا واحدة أفراحنا واحدة آهاتنا من نفس واحد، آلامنا زفراتنا شهقات الإنفعال واحدة وقناعة الرّضا والرزق الحلال واحدة. إن شبّ حريق في غصن شجرة على سرى عيبال نابلس تداعى له جبليّو السلط يطفئونها بمياه الخير في آبارهم، وإن شبّ حريق في قلعة الكرك تطفئها السواعد القوية من جبال الخليل، وكذا بيسان واربد والعقبة والنّقب.

درب واحد شعب واحد تاريخ واحد أمل واحد ومصير واحد. بوركت النساء والرّجال الشباب والأطفال الحقل الشجر البيدر القمح والشعير، بوركت اللّسيّنة والشومر وورق العنب والزّعتر والنّعناع، بورك الإنسان هنا كان أم هناك... لا فرق، هم العزوة والعشيرة الواحدة. أخوة أشقاء إخوان...إخوان، هنا في القدس وهنا ... في عمّان.