«أسرع من كل شيء» قد تكون سرعة إنتشار الإشاعة لا سيما في أردننا الحبيب، فنحن بالنهاية لا زلنا مجتمعا صغيرا من سماته أنّك إذا ما تحدثت قليلاً مع أي شخص تجده عشوائياً في الشارع فعلى الأغلب قد تصلان إلى طرف ثالث واحد على الأقل يربط ما بينكما إمّا عن طريق قرابة أو نسب أو صحبة أو معرفة.
نعم، هذا هو الأردن من أقصى شماله إلى أقصى جنوبه، ومن أقصى شرقه إلى ضفة نهر الأردن. نهتم بالأخبار بطبيعتنا وساعدتنا التكنولوجيا الحديثة ووسائل التواصل المستحدثة بمشاركتها إرسالاً وإستقبالاً حتّى أصبح صغيرنا قبل كبيرنا معني ويناقش ويحلّل وينشر الخبر حسب ما ورده أو حسب ما اقتنع دون إعطاء أي أهمية تذكر لمرجع هذا الخبر أو مصدره، وهذا ما أوصلنا للأسف إلى حالة من الفوضى في الرأي العام بسبب إختلاط الإشاعة بالحقيقة وخصوصاً عند حصول أي حدث فنجد أن صفحات مواقع التواصل الإجتماعي والمجالس تمتلىء بسجالات بين مؤيد ومعارض، مصدّق ومكذّب، وكلٌ بنى قناعته وفصلّها تفصيلاً بالطريقة التي تناسب تفكيره وتوجّهاته وبعيداً عن الحيادية في كثير من الأحيان، فكل الخيارات مفتوحة وتستطيع أن تختار ما يعجبك، وإن لم تجد فكل ما عليك هو حبك القصّة على طريقتك ونشرها بكبسة زر وفي غضون ذلك قد تهمّش الحقيقة وتضيع فعلاً.
لا إيجابية في الإشاعة على الإطلاق، فهي في الجذر كذبة، والكذب لا يمكن أن يكون محموداً لأن له عواقب على الفرد والمجتمع.
هنالك أنواع من الإشاعات وهي في كثير الأحيان مغرضة تصدر عن طرف يرغب بأذية طرف آخر. في العلم فلقد إختلفت آراء علماء الإجتماع وتعدّدت تعريفاتهم وتصنيفاتهم للإشاعة كلٌّ حسب تجاربه ومحيطه ومنظوره؛ إحدى تلك الدراسات المنشورة في هذا الخصوص سميّت بـ «علم نفس الإشاعة» لصاحبها روبرت ناب والتي نشرت إبّان الحرب العالمية الثانية في عام 1944، ويجد المطّلع على هذه الدراسة أن في تحليلها للإشاعة وأنواعها تقارباً مع واقعنا الأردني، حيث يرى ناب أن أنواع الإشاعة ثلاث هي أولاً إشاعات مصدرها رغبة وأماني العامة (الرأي العام) وأشهر الأمثلة المتكررة عليها في واقعنا الأردني إشاعة العفو العام في فترة الأعياد الرسمية من كل عام. ثانياً، إشاعات مصدرها خوف من تبعات حدث معين، ونجد هنا من الأمثلة الشائعة في وقتنا الحاضر الإشاعات التي تتعلّق بتوقع حدوث أعمال تخريبية أو إرهابية في أماكن معيّنة –لا قدّر الله- على أرض الوطن وكثيراً ما تصلنا رسائل معنونة برسائل تحذير من جهات رسمية وهي في الواقع بعيدة كلّ البعد عن الحقيقة والواقع ولم تصدر بتاتاً عن أي جهة معنية. ثالثاً، إشاعات تصدر بقصد تقويض ولاء جماعة أو تقويض علاقات على المستوى الشخصي ومن هذه الإشاعات في مجتمعنا ما يتعلّق بتخلّي الدولة عن حقوق أبنائنا لإعتبارات يرسمها ويحيكها ناشر الإشاعة بخياله فقط!
الإشاعة نار وناشروها هم الهشيم، وبيئتنا هذه الأيام قابلة لإشتعال هذه النيران من عدة أطراف بحكم ما نمرّ به من ظروف وأحداث متتالية كبلد وكمنطقة.
في يد الرأي العام الواعي الكثير ليقدّمه كدرع حماية للوطن والدولة؛ الرأي العام الواعي خامد لنار الإشاعة والفتنة لا هشيمٌ يغذيها لتكبر وتضر.عدم نشر الإشاعة والتحلّي بالوعي اللازم بهذا الخصوص هو واجب وطني، لذا فعند حصولك على معلومة أيّ كانت، توقف للحظة وحكّم الضمير والمنطق وتأكد من المصدر قبل أن تشارك وتصبح جزءاً من الهشيم دون أن تدري.