محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

الديك والقهوة

سليم ايوب

طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
سليم ايوب قونة الديك من المخلوقات الوديعة ذات السمعة الحسنة بين الناس. فهو يزهو بألوانه مرفوع الرأس دائما ، الا عندما يبحث عن طعامه على الارض ، يختال بين دجاجاته كسلطان لا يقبل المنافسة. ما ان تهب نسائم الفجر حتى يبدأ باطلاق نداءاته وصيحاته ليسمعها القاصي والداني وكأنها ثاني أهم نشاط له بعد اداء مهمته البيولوجية الاولى.

ولا أحد يعرف على وجه التحديد سر هذا النشاط والنداءات الصباحية للديك منذ ان نشأت العلاقة التكاملية بينه وبين الانسان ؟ ولا أحد يستطيع ان يجزم ان كانت صيحات الديك المتكررة هي اعلان عن انجاز معين أم هي نداءات استغاثة وبكاء على خسارة وقعت أو محتمل وقوعها ؟

لكن لأن الانسان ايجابي النزعة ومتفائل بطبعه فقد رأى في نشاط الديك الصباحي هذا قدوة طيبة وحاول تقليده فوجد ضالته في القهوة! فكثير من الناس لا يعدل مزاجهم في الصباح الباكر ولا يدب الحركة في أجسادهم ويفتح عيونهم الا فنجان القهوة ذو الارومة القوية ، تماما مثل محرك الديزل الذي يحتاج لدفعة دسمة من الوقود ليبدأ دورانه. اخرون لا تكتمل طقوسهم الصباحية تلك الا بمطالعة عناوين الصحف وبالتدخين المكثف.

لكن ما هو هذا المشروب الداكن اللون الذي غير وجه الدنيا ؟ وماذا كان يفعل البشر قبل اكتشاف القهوة في القرن الخامس عشر ليجددوا نشاطهم ويعدلوا أمزجتهم ؟ وهل هي محض صدفة ان يكون لون حبيبات هذه النبتة داكنا مثل لون الارض التي اكتشفت فيها لاول مرة وهي أرض الحبشة والسودان ؟ و هل صحيح ان رواد المعابد الصوفية في اليمن في القرون الوسطى كانوا يستعينون بهذا المشروب ليظلوا يقظين فيما تبقى من ساعات الليل لأداء طقوسهم ؟ وهل يعزى اكتشاف القهوة أصلا لأحد رعاة الماعز في افريقيا عندما لاحظ ان ماشيته زاد نشاطها بعد قضمها للنبات الذي سمي لاحقا بالقهوة ؟

لأن الانسان بطبعه أيضا مسيّر بتوجهات استثمارية نفعية فقد نقل هذه المادة النباتية من عالم المجهول والغموض الى الصف الاول من عالم المواد الاستراتيجية كالطحين والسكر والبترول التي يقوم عليها اقتصادنا العالمي. فالقهوة اليوم تزرع في 70 دولة جنوب خط الاستواء ، و يترتب على ذلك مئات الالاف من الوظائف والأعمال والمهن والتخصصات.

وفي عام 1645 افتتح في روما أول بيت للقهوة. وفي عام 1683 وبعد معركة «البندقية» بين الاوربيين والعثمانيين دخلت القهوة الى النمسا وبولندا لأول مرة. ويقدر عدد فناجين القهوة المستهلكة على اتساع رقعة العالم اليوم بالبلايين. كما حددت جمعية دولية متخصصة يوم الاول من تشرين الاول يوما عالميا للقهوة.

يبقى هناك فرق مفصلي بين الديك والانسان. كلاهما يبحث عن الهمة والنشاط والحركة وكل بطريقته الخاصة. الديك لا يحتاج الا الى جرعة من الماء وحفنة من العلف وبضع دجاجات ليحقق احلامه وطموحاته ويضمن انتاجيته الضرورية للانسان ايضا.

اما البني ادم المتحضر فقد لجأ الى وسائل كثيرة متعددة لتأمين متطلباته ، فخاض الحروب واستحدث فنون الاستعمار ليسيطر على منابت القهوة جنوب خط الاستواء ، ليحضّر في النهاية فنجان قهوة ذي مفعول مؤقت ومحدود ، يتناوله بعد ان يفيق من نومه ، وهو يستمع لنداءات الديك وصيحاته الصباحية دون ان يفهم ابعادها تماما!

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress