عالم المرايا ... عالم مدهش وجميل ومخيف .. المرايا تعيش معنا كأنها رفيق العمر الذي نتحاور معه دائماً في كل الأزمات والمواقف .. وعالم المرايا لطيف وساحر وحتى كوميدي !!.
وتعالوا نقرأ تلك النكتة من السودان عن المرايا :
ﻣﺴﻄﻮﻝ ﺷﺎﻑ حالهُ في ﺍﻟﻤرآة فاﺗﺼﻞ باﻠﺸﺮﻃﻪ وقال لهم : ﻋﻨﺪﻱ
ﺣﺮﺍﻣﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺒﻴﺖ .
وكان حظه ﺍﻟﺴﺊ ان أرسلوا له ﻋﺴﻜﺮﻱ ﻣﺴﻄﻮﻝ زيه .
وسأله : أين هو ﺍﻟﺤﺮﺍﻣﻲ ؟!
فقال المسطول : أهو ﻓﻲ الأﻭﺿﻪ .
فدﺧﻞ ﺍﻟﻌﺴﻜﺮﻱ فرأى نفسه في المرآة !
فقال : ﻣا ﺪﺍﻡ ﻋﻨﺪﻙ ﻋﺴﻜﺮﻱ هون .. لأيش مشحتطنا ﻭﺟﺎﻳﺒﻨﺎ ﻣﻦ ﻫﻨﺎﻙ لهون !!!.
وهناك الكثير من النكات عن المرايا :
قالت امرأة عجوز قبيحة المنظرعندما نظرت الى وجهها في المرآة : ياه ما اكثر غُش صانعي المرايا هذه الايام .. لم يعودوا يصنعوا المرايا باتقان وأمانة مثل السابق !! .
شخص في المرآة
قبل حوالي 8000 سنة عرف المجتمع البشري « المرايا» وإن كانت بطريقة بدائية .. لكنها الآن في عصرنا الحاضر أصبحت تشكل جزءا من يومياتنا عبر مواقفنا الجسدية والنفسية .
وهنا مقاطع من قصيدة «العاشق» لنتأملها ونوافق على ما جاء فيها أم لا !! للشاعر السويدي غونار إيكيلوف) 1968- 1907 :
المِرآة هناك المِرآة
ثمة كائن مختلف
ينظر من المرآة
***
في يوم ما قريب
ستدير عينيك إليه
و تحول عينيك عنه
فأتلاشى أنا بدوري
***
فأنت ممحى حزنك
وأنت مجلى رغبتك
وأنت مرآة ذاتك
وأنت مجرد صورة
لن تعرف حقيقتها أبداً .
في التراث الصوفي
فلا غرابة ان نعرف ان المرايا هي عنصر أساسي في التراث الصوفي العربي الذي تقترن فيه رمزية المرآة بأحوال الشهود .
حيث يرى فيها العارف الحقائق التي تنزاح عنها الحجب، كما لو كان يتطلع إلى مرآة، ولذلك يقول أبو يزيد البسطامي:
(كنت لي كالمرآة فصرت أنا المرآة ) .
ويقول ابن الفارض:
(أنظر في مرآة حسني كي أرى جمال وجودي في شهودي طلعتي ..
رفعت حجاب النفس عنها بكشفي النقاب .. فكانت عن سؤالي مجيبتي ..
وكنت جلاء مرآة ذاتي .. من صدى صفاتي ومني .
أما ابن عربي الذي كان (يرى أن العالم مرآة الحق , والحق مرآة العالم) فكان يقول:
( قلب المحقق مرآة
فمن نظر يرى الذي
أوجد الأرواح والصورا
إذا أزال صدى الأكوان
واتحدت صفاته
بصفات الحق فاعتبرا ) .
مرايتي قوليلي
وتنظر المطربة الى مرآتها مستنجدة تسألها نجاة الصغيرة وهي ملتاعة بالشوق والانتظار :
مرايتي قوليلي يا مرايتي
حبيبي مجاش لدلوقتي
وفاتني لوحدتي وإنتي
أبص لروحي وأتصعَّب
على روحي نسيني ليه
حبيبي وأغلى من روحي
***
و أزوق ليلي وأتزوَّق لأجمل وعد
وأدوِّب لك فى شرباتي شفايف الورد
وأقولك دوق حلاوة القرب بعد البُعد
أنا أنا.. باستناك باستناك .. أنا .
المرايا في الأغاني
هناك في تاريخ الاغنية العربية العديد من الاغاني التي اشارت الى المرايا الصديقة والعدوة والحاسدة والسلبية ...الخ .
وهنا لمحة سريعة جداً لتلك الاغاني التي استفادت من عنصر المرآة لتنسج حولها حكايا وقصص الحب والعذاب .
ومن ذلك نذكر مثلاً :
- قالتلي المرايا لـِفيروز :
- يا مرايتي لِإليسا
- هذا أنا في مرايتي لأحلام
- المرايا» لشيرين عبد الوهاب
- قمر المراية» لمارسيل خليفة وأميمة خليل
- مرايا الروح لـريم بنّا
- مرايتي يا مرايتي لرشا رزق
- شفت القمر في المرايا لطلال مداح
- مرايتك « لـخالد سليم
- قدام المراية للطفي بوشناق
- قوليلي يا مريتي قوليلي إيه حكايتي لعبد الباسط حمودة
- مرايا الشوق لأمل كعدل
- مرايتي لـسحر نوح
- مرايتي لأنوشكا .
وفي دراسة قيمة يؤكد الباحث الاستاذ عمرو إبراهيم حول خفايا المرايا والتعامل معها على مايلي :
تعتبر المرآه أحد أكثر أدوات الإستخدام اليومى غموضا لدى الإنسان ، حيث ترتبط بها العديد من الخرافات و الأساطير ، و كذلك الحائق التى لا يعرفها الكثير من الناس.
ظهرت المرايا الزجاجية لأول مرة فى روما ، و كنت آنذاك صغيرة الحجم . أما المرايا المعروفة لنا الآن فقد ظهرت لأول مرة فى العصور الوسطى ، و كانت محدبة و ذات أسطح غامقة اللون .
و قد كان هذا الشكل من الزجاج العاكس (المرايا) يسير الخوف لدى الكثير من الناس ، فكانوا يطلقون عليها اسم “مرايا السحرة” نظرا لإرتباطها بالعديد من أعمال السحر و الشعوذة .
و كان يعتقد أنه باستخدام هذا الزجاج العاكس يمكن تحقيق التأثير السلبى على الإنسان ، أو استدعاء قوى الظلام من قبل الساحر.
و قد حظيت المرايا بقوة كاريزمية هائلة ، و سعى الانسان فى الماضى إلى النظر من خلالها إلى المستقبل ، حيث استخدمت المرايا فى العديد من بلدان العالم القديم فى مجال العرافة و التنجيم .
لقد كان العالم باراسيليوس هو اول من توصل إلى تفسير نفسى لظاهرة المرايا ، حيث كان يعتقد أن المرايا هى عبارة عن نفق بين عالمين : العالم المادى ، و العالم الخفى ، حيث تنفذ إلينا من خلالها معلومات العوالم الأخرى .
و تؤثر هذه الطاقة (المعلومات) تحديدا على نفسية الإنسان عن طريق إصابته بالهلوسة و الأوهام ، و أحيانا الكوابيس. و نتيجة للإعتقاد بأن المرايا هى أنفاق بين عالمين فإن عادات العديد من شعوب العالم تشترط تغطية المرايا إذا كان بالمنزل متوفى . حيث يعتقد أنه من خلال هذه “النافذة المفتوحة على العالم الآخر” يمكن لروح الميت أن تسحب روح انسان حى .
ووفقا للإعتقادات السائدة لدى العديد من الشعوب أيضا و من أجل تجنب المصائب و الأحزان فإنه ينبغى عدم الأكل أو الشرب ، أو النوم أو الشجار أمام المرآه . و كذلك ينصح بعدم تعليق المرايا أمام مائدة الطعام ، أو فى غرف الأطفال ، أو فى مواجهة الأبواب .
و إذا انكسرت المرآه فإنه يجب على الانسان عدم النظر فى قطعها ، و كذلك عدم النظر فى المرآه التى بها شروخ .
كيف نتعامل مع المرايا !؟
وهنا يشير الباحث عمرو إبراهيم الى أهمية إتباع النصائح المرتبطة بالتأثير النفسى للمرايا على الإنسان عند النظر فيها , ومن تلك النصائح مثلاً :
- لا يجب على الطفل ، و خاصة قبل بلوغ عام ، النظر إلى نفسه فى المرآه .
- لا تأخذ إلى المنزل مرآه قديمة أو مستعملة - لا تنظر فى المرآه عند المرض أو الإرهاق .
- لا تلوم أو توبخ نفسك أمام المرآه .
- عليك قبل المغادرة من أمام المرآه أن تبتسم و تتمنى لنفسك التوفيق .
- لا تنظر فى مرآه مكسورة أو بها شروخ .
- يجب الحفاظ على مرايا المنزل نظيفة بصورة دائمة .
- يجب أن تعلق المرايا (الإطار العلوى لها) بحيث لا تكون أعلى من قمة رأس أطول فرد فى الأسرة .
- يجب أن توضع المرايا فى برواز أو إطار .
- بعد مغادرة الأشخاص المعروف عنهم السوء أو الحقد أو الحسد أو غير ذلك من المنزل يجب مسح مرايا المنزل.
ذاكرة المرايا
ويؤكد بعض العلماء أن المرايا تحتوى على “ذاكرة” ، بحيث يمكن للمرايا القديمة أن تخزن الطاقة الإيجابية ، إلا أنها فى الأساس تعمل على تخزين الطاقة السلبية ثم بثها إلى الانسان . فتعد المرايا شهودا على علاقتنا بالواقع ، حيث أن بعض المرايا تشع طاقة إيجابية ، و بعضها سلبية ، و يتوقف ذلك على نوع الأحداث التى إنعكست فيها ، أى جرت أمامها .
الذات و الآخر و القرين !
وفي دراسة للناقد د. جابر عصفور نشرها في مجلة « العربي» الشهيرة , قرأنا في العام 2007 عن المرايا وعلاقتها مع شعر الكبير محمود درويش , حيث يقول عصفور :
ان للمرآة دلالات وإشارات الى القرين والظل والآخر والشبح ... وكلها تقنيات يتكئ عليها الشاعر محمود درويش في الرؤيا الجديدة التي تضمها دواوينه الأخيرة، وهي دواوين تتميز بالحضور القوي للذات التي تحدق في نفسها، كأنها تراها في مرآة تؤدي دورًا لايختلف، جوهريًا، عن دور القرين الذي لايفارقه قرينه، أو لآخر الذي يغدو هو الوجه الثاني للذات،أو الظلالذي لايفارقها، كأنه لشبحالذي يتحول إلى مدلول يدل على داله: الأنا. ولا تــفارق هــذه الـثـنـائية علاقة الاسم الذي لا ينفصل عن مسمّاه، كي يراقب صاحبه و يراقبه صاحبه، كما يحدث في التجليات العلائقية للتقنيات السابقة.
ويشير د. عصفور بقوله :
إن أولى الـتـقـنـيـات التي لـفـتـت انتباهي هي ما يرتبط برمزية المرآة، وهي رمزية قديمة، تضرب بجذورها في الميراث الإنساني الأسطوري والفولكلوري والإبداعي على السواء، وهو ميراث ظل مصدر إلهام، في بعض جوانبه، لإبداعات حديثة .
كثير من المبدعين من الكُتّاب الذين استغلوا العلاقة الرمزية بين المرآة والأشباح، أو المرايا السحرية التي نعبر منها إلى عوالم أخرى، أو حتى المرايا التي هي القاسم المشترك في الفنون .
وليس هذا المدى من الرمزية بعيدًا عن الميراث الفلسفي الذي تحتل «المرآة» فيه مجالات ترتبط بعملية المعرفة التي ينعكس فيها العقل على نفسه، ليتأمل حضوره، في ثنائية المعرفة الذاتية، ولم تتباعد رمزية المرآة، في دلالاتها الصوفية:
في المرآة الساكنة
رأيت جلاء نفسي
و جلاء روحي
مع تغضّنات عدّة
ومنابت رقبة ديك
وفضول نهم
وترافع زائف
وصوت جاف .
ونذهب كذلك الى رمز المرآة في شعر خورخي بورخيس ، كما في نصوصه (المرايا والمتاهات) وغيرها من النصوص أو القصائد التي تؤكد لنا تكرار دلالة المرآة في شعره، فنقرأ له :
* لست أدري كيف يكون الوجه الذي يراني عندما أنظر وجه المرآة
* لست أعلم أي عجوز يتلصص على انعكاس محيّاه بغيظ صامت واهن .
* لماذا تصرّين على البقاء أيتهاالمرآة اللامتناهية
* أيتها الأخت السرية .. إنك أناي الأخرى .. أحيانًا يرنو إلينا في الأماسي
وجه من أعماق المرآة .
* على الفن أن يكون كالمرآة فيكشف لنا وجهنا نفسه .
(نيتشه .. أدونيس .. درويش )
الفيلسوف نيتشه كرس في كتابه (هكذا تكلم زرادشت) بأقوال من مثل: « عندما نظرت في المرآة صرخت
وقد ارتجّ قلبي هلعا
إذ لم أر نفسي هناك
بل وجها بشعا لشيطان
وتكشيرة ساخرة .
وكان ذلك قبل دخول المرآة في رمزية الشعر الحداثي العربي على يدي أدونيس الذي حقق بها إنجازات غير مسبوقة في ديوانه (المسرح والمرايا) مرورًا بما تلاه من دواوين لم تخل من أثر الرمزية الصوفية التي حامت حولها قصائد كثيرة لشعراء سبقوا محمود درويش إلى اكتشاف المرآة رمزًا وعلامة. و ظلت المرآة عنصرًا متكررًا في أشعارهم، ابتداء من نازك الملائكة والسياب وعبدالوهاب البياتي، مرورًا بصلاح عبدالصبور، وليس انتهاء بعفيفي مطر أو أمل دنقل :
أتجزّأ في المرآة
يصفعني وجهي
المتخفّي يومياً
تحت قناع النفط .
ويمضي محمود درويش، في رؤياه الجديدة، من حيث انتهى السابقون، ماضيًا في مسار خاص، لا ينفصل عن ثنائية الوعي الذي ينعكس على نفسه، سواء في الفعل المعرفي للتأمل أو الكشف أو الرؤيا، والبداية هي:
أما أنتَ
فالمرآة قد خذلتك
أنت.. ولست أنتَ
فأين تركت وجهي
لتبحث عن شعورك
خارج الأشياء
بين سعادة تبكي
وإحباط يقهقه !!
المرايا في السحر والخرافات !
و يوصى العلماء بالنظر فى المرآه فقط عندما تكون الحالة النفسية و المزاجية للإنسان جيدة ، لأن الخلفية الجيدة و المكثفة عن طريق المرآه قادرة على إزالة الإكئاب و جلب التوفيق .
إلا أننا فى كثير من الأحيان نقوم ب “شحن” المرآه بالمعلومات (بالطاقة) السلبية ، فعادة ما ننظر فى المرآه من أجل تحديد عيوب شكلنا أو مظهرنا الخارجى و إصلاحها ، فننظر و نفكر :
« لقد بدأت التجاعيد فى الظهور على الوجه ، تسريحة الشعر ليست كما ينبغى ، هناك بعض من حب الشباب بدأ فى الظهور ....إلخ « .
فنحن عادة غير راضين عن مظهرنا فى المرآة . ثم بعد ذلك نغادر من أمام المرآه بهذه الأفكار غير الراضية ، إلا أن المرآه قد خزَّنت بدورها هذه الإنطباعات و الإنفعالات السلبية ، التي ستقوم بإخراجها لنا فى المرة التالية !!! .
تنظيف المرآة
و ينصح بعض المتخصصين فى مجال الطاقة النفسية بتنظيف المرايا بصورة مستمرة ، ثم بعد لك إمرار شمعة مشتعلة من أمامها للتخلص من الأفكار و الإنفعالات و الطاقة السلبية التى من الممكن أن تكون قد خزنتها بداخلها .
المرايا .. وجوه متغيرة وحكايا الناس والحياة !
12:00 8-7-2017
آخر تعديل :
السبت