شهد القرن الخامس الهجري، مع من شهد من أعلام «عظام» ثلاثة رجال ارهف القرآن الكريم انفسهم واذكى عقولهم وزكّى منهم الانفس وصقل الاذواق. وقد كتب الثلاثة في «الاخلاق» فكانوا امثلة مشهودة على ما يصنع كتاب الله الحكيم بالقلوب والاذهان، وعلى ما يقيمه في وعي من يأخذه بقوة من مكين بنيان، فان اردت ان تطلع على»العقل الاخلاقي العربي»، الذي ضل بعضهم في التماس أُصوله ومَظَانّه فَنَحلوهُ نَسَباً مما يكبُرُ في صدورهم، وان ترى اليه واضح المعالِم، صريحا خالصا بيّناً غير مدخول ولا هجين، فتعال ننظر معا في ثلاث رسائل في الاخلاق كتبها: ابن حزم الاندلسي (توفي 406 للهجرة) وابن مسكوية (توفي 421 للهجرة) والراغب الاصفهاني (توفي 500 للهجرة) رحمهم الله جميعا.
ان هذه الرسائل كُتبت خلال قرن اعقب قرنين او ثلاثة من احتكاك العرب بالأُمم شرقيها وغربيها ومن اطلاعهم على اديان ومذاهب وفلسفات وثقافات شتى، وكان لا بد ان تلحق بالحس الاخلاقي العربي الاسلامي اثارة من ذلك، فالعرب غير منغلقين على انفسهم، ودينهم الذي تنزل بين ظهرانيهم جاء للناس كافة: هدى ورحمة للعالمين.
ذلك امر بدهي او حقيقة لا يتمارى فيها عاقلان، وهو ادنى الى ان يكون مُدخلا لتبين اثر الاسلام والقرآن اخلاقياً في الأمم والاعراق التي اشرق نورها عليها، وان من المعقول ان نبحث في اثر الاخلاق الاسلامية فيمن اسلم من الفرس والترك والهند والصين والروم والزنج والبربر وفيمن بقي منهم على دين آبائه على حد سواء.
اما ان نعود بالاخلاق القرآنية او بما تمثله الوجدان المسلمُ منها الى امشاج من اخلاق الأُمم التي اظلها الاسلام او افاد من بعض تراثها (ونقد معظمه او اظهر تهافته) فتلك مزية استشراقية داحضة الحُجّة نعق بها بعضهم زمنا، وكان يحسب انه يحسن في البرهنة على ألمعيته (!) صنعا، ثم استغرقه الصمت، اذ تبين له – فيما نعتقد – بالغ خَطَلهِ وبعيد زَلَلـه وندم – ربما – ولات ساعة مندم على ما كان اجترحه في طلب رضى من بوّأوه مقعد الاستاذية او منحوه صفة «التقدمية» وما كان زاد على ان يكون لهم بوقا او صنيعة او مضاهئاً.
***
ان لزاعم ان يزعم ان ابن مسكويه هو اكثر الثلاثة الاعلام الذين ذكرناهم تأثرا بعلوم الاوائل، وثمة في كتبه مثل «تجاذب الأُمم» و»تهذيب الاخلاق» و»الفوز الاكبر» و»الفوز الاصغر» ما يقوم شاهدا على هذا التأثر. ولكنه في معظم ما كتب ولاسيما في «الفوز الاصغر» مصبوغ بصبغة الاسلام مستمسك بعُروته الوثقى، حتى ان عالماً أُصولياً محقّقاً كالشيخ طاهر الجزائري يذهب الى ان «الفوز الاصغر» وان بناه ابن مسكويه على أُصول الفلاسفة الإلهيين، إلاّ انه انتصر فيه للدين، وكان مراءه فيه ان يخاطب الناس على قدر عقولهم، وبما تواضعوا عليه، منتهياً آخر المطاف الى تقرير حقائق الايمان، من توحيد لله سبحانه واقرار بالنبوة وخلود الروح، وغير ذلك مما يسهل الرجوع فيه الى آيات القرآن الكريم.
***
وقد توزعت كتب ابن مسكويه ثلاث مسائل رئيسة اولها في اثبات الصانع، والثانية في النفس واحوالها، والثالثة في النبوات، وكل منها في عشرة فصول ينتصر فيها جميعها للدين على حد قول الشيخ طاهر الجزائري.
ومن يعمى بالمصطلح الفلسفي في هذه الفصول عن الغاية التي يهدف اليها ابن مسكويه، او يرى في اسلوب الخطاب الذي جاء على قدر عقول المشتغلين بالفلسفة او المأخوذين فيها بطرائق البرهان الاغريقي دلالة على ان مرجعية الرجل يونانية لا اسلامية يغيب عنه ان العبرة بالمضمون، وهو في جملته وتفصيله لا يخرج عن التصور الاسلامي في المسائل المطروحة، ويمكن ان نضع بازاء كل من الفصول التي تتضمنها آيات كريمة من كتاب الله تستغرق مباحثها وانظارها، ويتضح ذلك اشد الاتضاح في الفصول التي يتحدث فيها عن الفرق بين النبي والمتنبي وعن الفرق بين النبوة والكهانة وعن كيفية الوحي.
لقد كانت الاداة الفلسفية وكان الفحوى او المضمون اسلاميا في كتاب «الفوز الاصغر» لابن مسكويه ولكن ابن حزم الاندلسي والراغب الاصفهاني في كتابيهما «رسالة في مداواة النفوس» و»اصل النشائين وسبيل (او طريق) السعادتين» وازنا في اسلوبيهما بين المصطلح الاسلامي (القرآني) ومصطلحات الفلاسفة والكلاميين مع البقاء كل حين في دائرة التصور الاسلامي الشامل للمسألة الاخلاقية.
***
على ان في الباحثين المسلمين من تصدى لتقديم «النظرية الاخلاقية» كما تنبع من القرآن الكريم مقارنة بالنظريات الاخلاقية القديمة والحديثة، وذلكم هو العلاّمة الدكتور «محمد عبدالله دراز» في سفره النفيس: «دستور الاخلاق في القرآن الكريم» الواقع في حدود سبعمئة صفحة من القطع الكبير والذي يؤكد فيه – وأصله رسالة دكتوراه في السوربون – ان القرآن فوق اشتماله على العناصر الاساسية للفلسفة الدينية: اصل الانسان ومصيره، واصل العالم ومصيره، والمباحث المتعلقة بالنفس الانسانية، وبالتوحيد، وبالاسباب والغايات، فانه قد بسط قواعد النظرية الاخلاقية وقواعد السلوك وبيّن
«على أي اساس ترتكز شريعة الواجب القرآنية ومن اي مصدر تستلهم سلطانها».
***
وعلى عكس هذا السمت الواضح والطريق القويمة والبحث الموضوعي فقد ذهب بعضهم الى العودة بالزهد الاسلامي والسمو الاخلاقي عند المسلمين الى النزعة الرواقية او الى اصول هندوسية او بوذية او ما شابه ذلك من تخرصات، وعموا وشُدِهوا عن التعليم الاخلاقي في القرآن الكريم والسُنّة النبويّة المصدرين الرئيسيين للتشريع في الاسلام، وعن اثرهما في الأُمّة الوسط الشاهدة على الناس، التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله ذي الصفات العُلى، والأسماء الحسنى، فضَلُّوا وأضَلّوا وهُدوا (!) إلى غير صراط العزيز الحميد.
عن العقل الأخلاقي في الإسلام
11:00 2-7-2017
آخر تعديل :
الأحد