قبل أيام قليلة ظهر الرئيس التركي اردوغان على شاشة التلفزيون وهو بكامل قيافته واناقته التي تليق بمناسبة عيد الفطر. تحدث اردوغان الى جمهور من المسؤولين والحزبيين والأنصار عن التحديات التي تواجهها تركيا في هذا المنعطف الخطير، واخطرها أن بعض الحلفاء يدعم ويسلح اعداء تركيا من التنظيمات المسلحة ، وهو يقصد الفصائل الكردية التي تحاول الولايات المتحدة فرض كيان لهم في الشمال السوري.
اللافت أن الرئيس التركي تحدث بجدية وقلق عن مخاوفه من شمول تركيا في مشروع التقسيم الأقليمي الذي يهدد دول الشرق الأوسط ، ولكن الملاحظ انه تحدث مثل واعظ يثير الضجر، خصوصا بعد هزيمة تنظيم داعش في كامل محافظة حلب وفي الموصل ، وهو التطور المتسارع الذي سينهي وجود هذا التنظيم الأرهابي المتطرف في المنطقة ، خصوصا التصعيد الطارئ في ازمة الخليج ، والتي على اثرها تم اغلاق ملف التمويل والتسليح للتنظيمات المتطرفة باحكام ، واصبح من الضروري اجبار تركيا على اغلاق الحدود والممرات التي يتسلل منها المسلحون الى الأراضي السورية.
ما اريد ان اوضحه هنا ، هو أن موقف الرئيس اردوغان من الأزمة السورية لم يتغير رغم المتاعب والتحديات التي تواجهها تركيا ، كما أن خطابه السياسي الحالي يتواصل مع خطابه السابق ولكن بطريقة اخرى هي اقرب الى العناد المنغولي ، فهو يشارك في تعزيز الصراع المسلح الذي يضع سوريا على خريطة التقسيم ولكنه قلق على مستقبل تركيا ، ويخشى أن يشملها مشروع التقسيم ضمن ولادة الشرق الأوسط الجديد الذي تسعى الولايات المتحدة الى تحويله لواقع جديد في المنطقة في عهد الرئيس ترامب المندفع في مسيرته حتى التهور !!
من خلال تصريحات ترمب ورسائله المشفرة نعتقد أنه يعمل بدعم من جمعيات سرية يمينية عنصرية متعصبة تحمل عقيدة فرسان الهيكل أو فرسان المعبد وهي الفرق المتشددة التي ظهرت في القرون الوسطى ، وهذه الجماعات تسعى الى السيطرة على العالم واعادة ترتيب وتركيب الحاضر حسب مصالحها.
اعتقد أن الولايات المتحدة بادارتها الجديدة تريد التقاط الفرصة التاريخية الناتجة عن متاهة الفوضى التي غرقت فيها المنطقة ، وهي الفوضى التي خلقتها وصنعتها الادارة الأميركية السابقة باسم الربيع العربي.
الأدارة الجديدة تريد نشر المزيد من الفوضى تحت عنوان محاربة الأرهاب ، ولكنها في ذات الوقت تعزز ادوات الصراع ، وتتسلل تدريجيا الى المنطقة بقوات عسكرية نوعية ، كما تسعى الى خلق المزيد من التوتر والأزمات والبؤر المشتعلة ، من أجل تحويل المنطقة كلها الى تابع للولايات المتحدة على كافة الصعد السياسية والأقتصادية والعسكرية ،وفي النهاية تجريد الدول العربية والأسلامية من القدرة على ممارسة سيادتها واستقلالها.
هكذا ، بوعي أو دون وعي ، بدأت الدول العربية المختلفة سياسيا ، أوالمتصارعة عسكريا ، تطلب وساطة اميركية واوروبية لحل الأزمات ، رغم ان هذا الوسيط هو الذي اثار الأزمات وكرسها لمصالحه وأهدافه.
وعندما نقف امام المشهد العربي والأسلامي الأقليمي نرى اننا أمام مسرحية تراجيدية اغريقية محزنة معقدة نهايتها مفتوحة على مستقبل غامض فيه الكثير من الالتباس وغياب الوعي. ففي المشهد مسارات متشعبة ومصالح متشابكة ، كلها غارقة في موسوعة دموية تمتد من الوريد الى الوريد.
هذه المأساة ، أو التغريبة العربية ، قد تكون بداية مشروع نهضوي عربي جديد ، بعد اكمال دحر مشروع التنظيمات المسلحة التي انتهت وظيفتها ومهمتها التخريبية ، وبعد صمود الهوية القومية العربية وفشل مشروع التقسيم الطائفي العرقي والقبلي ، وهزيمة جماعة فرسان الهيكل. نحن على يقين بقرب ظهورعلامات التحول المبشرة بعصر تحرر عربي آخر يعيد السيادة والاستقلال للامة من جديد أي البدء من المربع الأول والنشيد الأول.
أردوغان وترمب ومشروع التقسيم !
11:00 2-7-2017
آخر تعديل :
الأحد