محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

للقدس سلام آت

طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
سليم ايوب قونة في الاسبوع الفائت انطوى نصف قرن على نهاية واحدة من أسرع الحروب الموثقة ، والتي اختطفت ما تبقى من أرض فلسطين وأودعتها في حساب اسرائيل التي تقف حتى اليوم عاجزة عن سحب هذا الصيد الثمين من حساب التاريخ والجغرافيا والقانون.

ما تزال الذاكرة متوقدة عن ذلك اليوم الكئيب تقلّب بعض وقائعه ومواقفه المتناثرة التي لم يجمع بينها رابط سوى حجم الكارثة وهول الصدمة. أذكر منها على سبيل المثال وليس بالضرورة حسب تسلسلها الزمني الدقيق :

كنا بالصدفة نؤدي امتحانا عن القضية الفلسطينية ونعيد على الورق كتابة أدبيات التحرير العتيد لا لضمان النجاح فحسب ، بل لأننا كنا مقتنعين تماما بحتمية النصر ، ونحن أبناء الجيل الذين تجرعوا أنهارا من الخطابات والبيانات التي هيأتنا لاعداد حقائبنا لزيارة يافا و حيفا وقد تحررتا من الأسر الذي كان يلامس خريفه العشرين حتى تلك الساعة.

خرجنا من القاعة واذ بالحارس المناوب يبشرنا بأنه تم تدمير نصف سلاح الجو الاسرائيلي وكانت الساعة لم تبلغ العاشرة والنصف صباحا. لكن الحارس أيضا ما كان بيده الا ان يردد كالببغاء ما كان يتلى عليه من قبل رسل احلام اليقظة ومهندسي الخيال الذين أمنوا بحكايات الف ليلة وليلة.

في بحر ذلك النهار أيضا ظهرت طائرتان اسرائيليتان في سماء عمان علمنا بعدها انهما قصفتا قصر رغدان الذي كان يتابع منه المغفور له الملك حسين تطورات المعركة ، فكان هو المقر الوحيد من مقرات زعماء الدول العربية المشاركة في تلك الحرب الذي تم قصفه عن سابق اصرار وتصميم.

اما كلمات الملك الراحل التي نقلها أثير اذاعة عمان وبصوته الجهوري المميز فما تزال تطن في الاذن حتى اليوم ، وهو يحث الجنود الاردنيين الصامدين على اسوار القدس على متابعة القتال والاستبسال. علمنا لاحقا ان أحد اسباب محنة هؤلاء الجنود كان عدم تمكن أذرعة الغطاء الجوي الموعود من القيادة العربية الموحدة بادارة المشير»عبد المنعم رياض « من الامتداد الى سماء القدس التي تلبدت يومها بسحب داكنة أغرقت المدينة في بحر من الحزن والغضب.

في فترة المساء تجمع الاصدقاء كعادتهم في وسط البلد وقد بدأت اذاعة صوت العرب باعادة بث النشيد المصري الوطني القديم بعنوان « بلادي ، بلادي ، بلادي». فعلق أحد الحاضرين بالحرف الواحد: « باين يا شباب انه أكلنا هوا ورجعنا لورا « وقد كشفت الساعات القليلة اللاحقة دقة تلك الملاحظة.

في لبنان الذي لم يشارك ، ربما لحسن حظه ، في القتال مباشرة حاول الشقيقان رحباني وبصوت فيروز الماسي وبعد صمت المدافع بأيام تضميد الجرح النازف برائعتهم « زهرة المدائن « التي لخصت رحلة القدس مع الانسان والتاريخ والايمان. فأصبحت تلك الاغنية بمثابة الوسادة السحرية التي نلقي فوقها برؤوسنا المتعبة.

بعد سكون غبار المعارك على الجبهات الثلاث بدأت تظهر على الطرق الممتدة من الاغوار الوسطى الى عمان شاحنات مكدسة بالأثاث المستعمل والأمتعة المنزلية وبراءة الاطفال ، فاستنتج الواقفون على جوانب الطرق ان شيئا غامضا يحدث. فأتحفنا جهابذة الاعلام بمفردات ومصطلحات تشخص ما حدث لتسهيل استيعابه من قبلنا نحن بسطاء القوم. فطمأنونا بان هؤلاء الناس هم «نازحون» وليسوا « لاجئين «. كما اتفقوا على تسمية ما حدث «بالنكسة» لأنه لا يجب خلطها «بالنكبة».

نصف قرن تسلل خارج سياج العمر ولا نرى اليوم حولنا الا مصائب جديدة «محسّنة « تلتهم الاخضر واليابس وتفتك بالرزع والضرع. ومع ذلك ما زلنا نقول: للقدس سلام ات !!
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress