9 9
أبواب

علماء من وطني - الأستاذ الدكتور الشيخ عمر الأشقر.. «رحمه الله»

نشأته

وُلد في اليوم الخامس من شهر ذي الحجة عام (1359هـ) ويوافقه اليوم السادس والعشرون من شهر تشرين ثاني (نوفمبر) عام 1940 في قرية من قرى فلسطين تدعى «بُرْقة» وهي تابعة لقضاء مدينة نابلس، وقد عاش رحمه الله في ظل أسرة متوسطة الحال في تلك القرية، ومع أن والديه أميان، لم ينالا نصيباً من العلم، ولكنهما كانا يحبان العلماء، ويحافظان على الصلاة، والتخلق بأخلاق الإسلام، ، فوالده كان يغلظ القول لمن رآه يظهر المنكر، وكانت والدته تأمر بالتي هي أحسن.

أما جذور وأصول العائلة (الأشقر) فتعود إلى الجزيرة العربية إلى قبيلة عتيبة، حيث أن قبيلة عتيبة قبيلة كبيرة واسعة الانتشار في السعودية والخليج والأردن، وهي فرع من فروع «الرُّوْقة» المنتشرين في عالية نجد.

تفتحت عينا الوالد رحمه الله على مأساة فلسطين و على وقائع تلك الفترة، ، وشهد أحداث عام 1947 و1948، ، فعايش الشيخ الكارثة في صباه وانغرس في قلبه وجوب العمل لتحريرها وكان لذلك الأثر في جميع أطوار حياته في بذله وعطائه لقضية فلسطين.

وكان مما رآه الوالد في صغره رؤيا في العاشرة من عمره، حيث رأى أنه يتجوَّل بين حقول القرية، يقول في ذلك: « وبينما أنا أمشي، إذ بالطريق ينقسم إلى قسمين: طريق فيه ارتفاعٌ وصعود إلى أعلى الجبل، وهو صعب وشاق، وطريق إلى أسفل الوادي، وهو سهل ويسير، فاحترتُ أيهما أسلك فرأيتُ فيما أُلْـهِم لي آنذاك النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر الصديق، فأشارا إليَّ أنِ اسلُك الطريق العالي المرتفع ولو كان صعباً، فسلكته، وفرحت بها فرحاً عظيماً « وقد فسرها بعد ذلك بسلوك طريق العلم الشرعي.

شيوخه وتواصله مع العلم والعلماء

في فترة مكوثه بالمدينة المنورة كان الشيخ يصلي الصبح في المسجد النبوي، ثم يجلس إلى عالِم من علمائها في درسه بعد الفجر، ثم يجلس يقرأ القرآن أو يحفظ منه إلى أن يأتي وقت الانطلاق إلى الجامعة، ويبقى هناك إلى أن ينتهي الدوام، فيعود إلى منزله، ثم يخرج إلى المسجد النبوي ليصلي العصر والمغرب والعشاء، وكان في هذه الأوقات يحضر بعض حلقات العلم، أو يقوم بزيارة عالِم من العلماء.

كان الشيخ عمر طوال هذه الفترة على صلة لصيقة مع عدد من كبار العلماء أمثال الشيخ عبد العزيز بن باز، و الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، والشيخ محمد المختار الشنقيطي، وكان تأثره بالشيخ ابن باز كبيراً، وهكذا تشرّب الدعوة السلفية، واستوعب بشكل عميق مدرسة الشيخ محمد بن عبد الوهاب. يقول رحمه الله في ذكر شيوخه: « حق لي أن أفخر بتتلمذي على شيخين كبيرين جليلين هما الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني رحمهما الله تعالى. وكنت قد تعرفت على الشيخ عبدالعزيز بن باز في مدينة الرياض، فكنت أصحب أخويّ محمد وعبد القادر لزيارته، وحضور مجالس علمه ودروسه».

ويعتبر الوالد رحمه الله أن أخاه محمداً هو شيخه الأول فقد سبقه في العلم الشرعي وهو الذي فتح له طريق الدراسة والتواصل مع العلماء.

كما استفاد كثيراً من زيارات العديد من الشخصيات والعلماء للمدينة المنورة أمثال الحاج أمين الحسيني، والشيخ محمد محمود الصواف، والشيخ أبو الحسن الندوي. كما أنه تواصل بعد ذلك مع عدد من العلماء والدعاة منهم العلاّمة الشيخ محمد بهجت البيطار، و الشيخ عبدالرحمن الباني، وفضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي. وفضيلة الشيخ محمد الغزالي.

وفي أثناء دراسته في الأزهر تعرف إلى جمع من العلماء، أكثرهم ممن كان يدرس في كلية الشريعة، منهم فضيلة الشيخ عبدالغني عبدالخالق، وشقيقه فضيلة الشيخ مصطفى عبدالخالق، وفضيلة الشيخ محمد أبو النور زهير.

وتعرف الشيخ في مسيرة حياته إلى بعض الدعاة وصحبهم من أمثال الشيخ سعيد حوى، والداعية فتحي يكن، والداعية فيصل مولوي وصاحبه الداعية إبراهيم المصري، والداعية المجاهد الدكتور عبدالله عزام رحمهم الله جميعاً.

وللشيخ مراسلات ومكاتبات مع عدد من علماء الأمة ومفكريها يضيق المكان عن إيرادها.

الحياة العلمية

أنهى الشيخ تعليمه الأساسي بنابلس، وخرج من فلسطين وعمره ثلاث عشرة سنة إلى الرياض بالسعودية سنة 1953م ودرس فيها خمس سنوات حتى أكمل الثانوية الشرعية، ثم درس سنة واحدة في الجامعة بالرياض، ثم ما لبث أن انتقل إلى دراسة الشريعة في المدينة المنورة عندما افتتحت الجامعة الإسلامية فيها.

أكمل الدراسة في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وحصل على البكالوريوس من كلية الشريعة، ومكث في المدينة فترة من الزمن، ثم غادر إلى الكويت عام 1966م، واستكمل رحلته العلمية بالحصول على درجة الماجستير في أصول الفقه من كلية الشريعة بجامعة الأزهر عام 1974م، ثم حصل على الدكتوراه في الفقه المقارن بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى من كلية الشريعة بجامعة الأزهر عام 1980م وكانت الرسالة بعنوان «مقاصد المكلفين فيما يُتعبد به لرب العالمين».

عمل أميناً لمكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة بطلب من الشيخ عبد العزيز بن باز عام 1961م ولمدة أربع سنوات ، ثم عمل بالتدريس في الكويت في مدرسة المتنبي المتوسطة نحو ست سنوات، ثم انتقل إلى مدرسة خالد بن الوليد المتوسطة لمدة سنتين، ثم انتقل إلى مدرسة عبدالله السالم الثانوية عام 1972م، ثم انتقل إلى معهد المعلمات عام 1977م.

ثم عمل مدرساً في كلية الشريعة بجامعة الكويت وبقي بها حتى عام 1990م ثم خرج منها إلى الأردن وعين أستاذاً في كلية الشريعة بالجامعة الأردنية، وبعدها عميداً لكلية الشريعة بجامعة الزرقاء، ثم تفرغ للبحث العلمي والكتابة في آخر حياته.

كان رحمه الله زاهداً جداً في المناصب الإدارية لأنه كان يراها قاتلةً للعمل العلمي والدعوي، وأذكر أكثر من مرة أنه عرض عليه رحمه الله مناصب وأعمال تدر عليه دخلاً وشهرة، لكن خياراته دائما ًكانت ترتبط بالعلم والدعوة.

نشاطه الدعوي

نشط الشيخ عمر في العمل الدعوي في أثناء الحياة الجامعية في النصف الأول من ستينيات القرن العشرين في المدينة المنورة. وتولى مسؤوليته الشيخ عمر- رحمه الله- والشيخ عبد الرحمن عبد الخالق حفظه الله، ويشارك معهم فيه نحو 30-35 شاباً جُلُّهم من الطلبة، وكانوا يخرجون إلى القرى حول المدينة حول المدينة المنورة للدعوة والتوعية، وقد كان هذا يتم في نهاية كل أسبوع (نحو 40 أسبوعاً في كل سنة). وكان الشيخ ابن باز يشجعهم ويدعمهم، وكان يرافقهم دائماً الشيخ محمد ناصر الدين الألباني والشيخ محمد عبد الوهاب البنا.

في سنة 1965م تعرض الشيخ عمر والشيخ عبدالرحمن وبعض الناشطين في مجال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لمشكلة أدت إلى اضطرارهم لمغادرة السعودية. فانتقل إلى الكويت مع الشيخ عبد الرحمن عبدالخالق، حيث وصل إليها متعاقداً للتدريس في وزارة التربية في 27/8/1965م.

وما كادا يستقرا حتى عاد الشيخان عمر وعبد الرحمن لنشاطهما الدعوي في مساجد الكويت ومدارسها. وكان كل من يتردد على المساجد تقريباً من فئة كبار السن، وبفضل الله ثم بحركة الشيخين أخذ الإسلاميون ينشطون تدريجياً؛ وبدأت الدعوة تثمر.

كان للشيخ عمر والشيخ عبد الرحمن دور كبير في نشوء التيار السلفي في الكويت وانتشاره، حيث تابع الشيخ عبد الرحمن نشاطه مع هذا التيار، بينما بقي الشيخ عمر على صلة طيبة به، ومرجعاً شرعياً في مسائل العقيدة وغيرها، ولكنه اختط خطاً أكثر قرباً من الإخوان المسلمين.

كان الشيخ عمر رائد إنشاء الجماعات الإسلامية في المدارس بحلّة جديدة مختلفة عن شكل الجمعيات الدينية التقليدية. وقد بدأت تجربته في مدرسة المتنبي في منطقة الشرق في العام الدراسي 1965/1966م مع اثنين وعشرين طالباً إذ قدّم لهم طريقة جديدة حيوية متفتحة تشمل، إلى جانب الدروس الدينية المشوقة، الخروج في الرحلات والرياضة والمسرحيات والمسابقات الثقافية... وكان الهدف أن يعيشوا الإسلام في حياتهم. ولقيت الفكرة نجاحاً كبيراً وانتقلت إلى المدارس الأخرى.

نشط الشيخ عمر في المساجد – في الكويت- أيضاً عن طريق الدروس وخطب الجمعة، وتركز نشاطه في مسجد الشايجي. وأصبح هذا المسجد بعد ذلك يعجُّ بالشباب ومركزاً فاعلاً للتيار الإسلامي.

كانت للشيخ دروس أسبوعية عامة منتظمة في العقيدة والتفسير في بعض مساجد الكويت وأنديتها الصيفية إضافة إلى خطبته للجمعة، وامتاز رحمه الله بأسلوبه السهل الممتنع الذي يجمع بين فهم السلف ودقة المعنى وسهولة إيصاله، وفهم دلالات النصوص وروح المعاصرة وتطبيقاتها.

الشيخ الوالد عمر الأشقر في بيته

تجد الوالد رحمه الله على مستوى العائلة متسقاً مع أخلاقه وصفاته الكريمة في خارج البيت، والد حنون، وصديق وفي، أحببناه من شغاف قلوبنا، إليه ترجع العائلة في أمورها، يتجاوز إن أسأنا بغير قصد، الجلوس معه متعة من متع الدنيا، يبث فينا أطايب الحديث، كذلك يمدنا دوماً بتجاربه وخبراته، يلاطف أحفاده الصغار كأنه واحد منهم يعطف عليهم ويحنو، ويزورهم حين المرض ويتابع حالتهم عبر الهاتف بشكل مستمر، أما الكبار فأحلامهم أحلام له، مشاكلهم تضاف إلى مشاكله، لم يكن رحمه الله يضن عليهم لا بمال ولا بنصح، ولا يتبرم من تصرفاتهم إن أخطأوا، لقد آثر على نفسه كثيراً، يجمع العائلة من أطرافها ولم يكن يوماً سبباً في فراقها، وهكذا دواليك تجده المرجع على مستوى العائلة الأكبر في حل مشاكلها، حقاً ودون مبالغة طراز فريد من الآباء قلما تجده هذه الأيام وليس هذا المكان لبيان المواقف والتفاصيل الخاصة.

تجده رحمه الله في البيت حريصاً جداً على استغلال وقته، إلا أن القراءة والكتابة أخذت الجزء الأكبر من وقته دون أن يؤثر ذلك على التزاماته الأخرى، ذلك أنه رحمه الله كان يحسن توزيع وقته بطريقة غريبة، فقد يقضي في قراءة الكتب وتأليفها ما يزيد عن عشر ساعات يومياً، لكن ذلك لا يصده عن الجلوس مع أبنائه وأحفاده، وإن جلس مع العائلة تجده شخصاً آخر قد انقطع عن مشاغله وهمومه، وانشغل بهموم العائلة وأفرادها واحداً واحداً، وينال الأحفاد الصغار من اهتمامه ما للكبار، ولزواره – وهم كثر- كذلك وقت خاص، ولزيارة الأقارب والأصدقاء وقت عنده رحمه الله، وكان رحمه الله يحب اللقاء بالناس في مجالسهم لكن هذه المجالس تتحول في وجوده من مجالس دنيا لمجالس تأنس فيها بالقصص والمواعظ والعبر والطرائف، أما المكالمات الهاتفية للمستفتين فكانت دائماً تقاطع أوقاته أثناء التأليف أو النوم أو الأكل وكانت المكالمات كثيرة جداً وتصل أحيانا ً لدرجة الإزعاج، وكان رحمه الله يحاول أن يجيب على كثير منها، ولكثرتها كان رحمه يختصر الإجابة ويجعلها مركزة، للاستفادة من الوقت ولإتاحة المجال لباقي المستفتين فيما يتيسر له من وقت.

كان رحمه الله أيضاً يخصص وقتاً للنزهة والاستجمام لساعات محددة خاصة في يوم الجمعة، لكن ليس للابتعاد عن الناس وإنما كان يحب أن يجتمع فيها مع مجموعة من أصدقائه وعائلاتهم ولا يخلو ذلك من الاستفادة العلمية والدعوية في مثل هذه اللقاءات.

المؤتمرات العلمية والدعوية والمحاضرات الخارجية:

هيأ الله للشيخ عمر أن يسافر للدعوة إلى الله تعالى ولنشر العلم الشرعي، ، حيث قام بزيارة كثير من الدول، منها دول عربية كالسعودية ومصر والسودان وقطر والبحرين ولبنان، ومنها دول إسلامية غير عربية مثل الباكستان وتركيا، ومنها دول غير إسلامية، فقد زار أمريكا أربع أو خمس مرات، وزار ألمانيا وإيطاليا عدة مرات، ووصل إلى فرنسا والنمسا، وسويسرا.

من المؤتمرات التي شارك فيها:

- مؤتمر اتحاد الطلبة المسلمين في أمريكا الشمالية، وألقى فيه عدة محاضرات في المراكز الإسلامية هناك و لمدة ثلاثة أسابيع من (19/12/1978م إلى 11/1/1979م).

- المؤتمر السنوي العشرين الذي تقيمه جمعية الطلبة المسلمين في المملكة المتحدة وإيرلندا والذي عقدته بمدينة دربي من (18 إلى 21 ديسمبر 1980م)، وقد ألقى فيه محاضرة بعنوان «العقيدة في الإطار الحركي» وأخرى بعنوان «دور المرأة المسلمة وواجبها تجاه النشء».

- المؤتمر الذي أقامه اتحاد الطلبة المسلمين في باكستان في كراتشي من (26/8/1982م إلى 29/8/1982م) وألقى فيه محاضرتين، الأولى بعنوان: «بناء الفرد المسلم في ضوء الكتاب والسنّة»، والثانية بعنوان: «مشكلات الطلبة المسلمين في ضوء الكتاب والسنّة».

- المؤتمر الخامس الذي عقدته رابطة الشباب المسلم العربي في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا المنعقد في ولاية «دالاس» وفي ولاية تكساس بتاريخ (23/12/1982م إلى 27/12/1982م) وألقى فيه ثلاث محاضرات: الأولى بعنوان: «كيف نفهم القرآن»، والثانية بعنوان: «أثر العقيدة في حياتنا»، والثالثة بعنوان: «المرأة بين دعاة الإسلام وأدعياء التقدم».

نصرته لقضايا

الأمة وخاصة فلسطين

لقد ربى الشيخ -رحمه الله- جيلاً من الشباب العامل للإسلام ولفلسطين، وأخرج جيلاً من العلماء الذين يجمعون بين روح السلف وفقه الواقع ومنهج البحث العلمي المنضبط، وهو جيل لم يقتصر على جماعة أو حزب، وإنما اتسع ليستوعب كل محب وعامل لنهضة هذه الأمة وتحرير أرضها.

لقد كان للشيخ عمر الأشقر دور كبير في توعية شباب الأمة بالقضية الفلسطينية وما تعانيه القضية الفلسطينية، والواجب الشرعي على كل مسلم تجاه القضية الفلسطينية حيث إن الشيخ «كان حريصاً على تأكيد البعد الإسلامي للقضية ويضيق ذرعا حين تختصر فلسطين بالفلسطينيين وكان يراها أرحب من ذلك بكثير». أسّس أساس البناء الفكري للعمل الإسلامي للقضية الفلسطينية في وثيقة (مخطوطة) في عام 1983م .

وشحذ همم الشباب المتعطّش للعمل ليستلموا همُ الراية، ودفع أقرانه في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي لإفساح المجال لهؤلاء الشباب الذين انطلقوا يجوبون الآفاق؛ فكانت بذرة حركة حماس في الخارج.

وفي تلك الأثناء اهتم الشيخ عمر ورفاقه بالعمل الإسلامي بالقضية الفلسطينية في الداخل والخارج، وأخذوا يسبرون الآفاق، ومجالات الإعداد والتدريب.. كما كان يجري التواصل مع فلسطين وخصوصاً تلك الجهود التي كان يقوم بها الشيخ أحمد ياسين رحمه الله ورفاقه.

كان الشيخ عمر أحد مؤسسي حركة حماس حيث انتخبت حماس الشيخ عمر رئيساً لأول مجلس شورى لها سنة 1989م، وكان ذلك دون إرادته وبغير رغبته؛ إذ إنه بطبيعته يتجنب المسؤوليات الإدارية والحركية، فحاول الاعتذار لكن لم يقبل عذره. ظل الشيخ عمر على صلته الفاعلة بحماس بعد انتقاله وانتقال قيادتها إلى الإقامة في الأردن، حيث انتقل هو نفسه للتدريس في الجامعة الأردنية ثم في جامعة الزرقاء غير أن ظروف الحياة الجديدة، وعدم رغبته في لعب دور قيادي ظاهر، وقناعته بأن قيادة الحركة الشابة قادرة على القيام بالمهام على أحسن وجه، وأنه يجب أن يُوسَّع لها وأن تأخذ فرصتها، ورغبته في متابعة حياته الأكاديمية والاستمرار في التأليف والكتابة العلمية... كل ذلك أدّى إلى أن يَخِف دور الشيخ تدريجياً في عمل الحركة. أسلَم الراية، وترك الأضواء والتي لو شاء لكان له النصيب الأوفر منها، ولكنّه لم يترك العمل فبقي في مكانته مرشداً وموجهاً ومراقباً للبوصلة.

وللشيخ رحمه الله مجموعة من الفتاوى التي تتعلق بقضايا المسلمين كذلك فتاوى تتعلق بالقضية الفلسطينية يضيق المقام عن سردها.

مؤلفاته العلمية والدعوية

لم يترك الشيخ العلم؛ فهو من العلماء العاملين – ولا نزكّيه على الله – فجمع بين تأليف قلوب الرجال وعقولهم وتأليف الكتب إذ رفد المكتبة الإسلامية بما يربو على ستين كتاباً في العقيدة والفقه والتزكية وغيرها من علوم الشريعة، ومنها ما كان منهجاً أساسياً يتربّى عليه أبناء الحركة الإسلامية في شتى الأقطار؛ وخاصة فيما يتعلّق بعلوم العقيدة.

وقد شارك الشيخ مع بعض زملائه في تأليف عدد آخر من الكتب، إضافة إلى كتابته الكثير من المقالات العلمية المحكمة، ومشاركته بأوراق عمل علمية في العشرات من المؤتمرات في العالم العربي وآسيا وأوروبا وأمريكا.

لقد كان رحمه الله متمرساً في أصول التأليف والبحث العلمي ، مبدعاً في عرض الأفكار والعلم الشرعي بسلاسة لغوية وترتيب منطقي جعل من كتاباته مقصد الملايين من القراء حول العالم بكافة لغاتهم حيث ترجمت كتبه لكثير من لغات العالم.

من مصنفاته في الفقه وأصوله:

1. مقاصد المكلفين فيما يُتعبد به لرب العالمين، وهو رسالته لنيل درجة الدكتوراه.

2. الواضح في شرح قانون الأحوال الشخصية الأردني.

3. أحكام الزواج في ضوء الكتاب والسنة.

4. تاريخ الفقه الإسلامي.

5. خصائص الشريعة الإسلامية.

6. حكم المشاركة في الوزارة والمجالس النيابية.

7. الصوم في ضوء الكتاب والسنة.

8. المدخل إلى دراسة المدارس والمذاهب الفقهية.

9. مسائل من فقه الكتاب والسنة.

10. المدخل إلى علم الفقه الإسلامي.

من مصنفاته في العقيدة:

1. أسماء الله وصفاته في معتقد أهل السنة والجماعة.

2. أسماء الله الحسنى الهادية إلى الله والمعرّفة به.

3 - العقيدة في الله

4 - عالم الملائكة الأبرار.

5 - عالم الجن والشياطين.

6 - الرسل والرسالات.

7 - القيامة الصغرى.

8 - القيامة الكبرى.

9 - الجنة والنار.

10 - القضاء والقدر.

من أبحاثه العلمية:

1. مسائل في الفقه المقارن، بالاشتراك مع أ.د. ماجد أبو رخية وآخرين.

2. بحوث فقهية في قضايا الزكاة المعاصرة بالاشتراك مع أ.د. محمد نعيم ياسين وآخرين.

3. بحوث فقهية في قضايا اقتصادية معاصرة بالاشتراك مع أ.د. محمد عثمان شبير وآخرين.

4. بحوث فقهية في قضايا طبية معاصرة بالاشتراك مع أ.د. عبدالناصر أبى البصل وآخرين.

فقه الشيخ رحمه الله

ومنهجه وطريقته في الإفتاء

الناظر في شخصية الشيخ –رحمه الله- يرى أنه استجمع مكونات الملكة الفقهية وأسباب الاجتهاد ومكناته، فترى أن لديه استعداداً عقلياً وشخصياً عالياً لدراسة أحكام الفقه في مظانها، وله –رحمه الله- نظرات ورؤى خاصة في أقوال الأقدمين، بل للشيخ اجتهادات فقهية خاصة بناها على منهج فقهي أصيل مقرون بنظر بعيد وثاقب في المآلات وفهم الواقع.

وإذا تتبعت شخصية الشيخ –رحمه الله- وتفاصيل حياته تجد أن هذه المعالم تأصلت لديه في طريقة اجتهاده وفي بيانه لأحكام الفقه وفي علاقاته بالعلماء وطلبة العلم، ويمكن أن أجمل معالم هذا المنهج فيما يلي:

1. ضرورة الاقتصار على الشريعة المباركة دون غيرها في استقاء الأحكام الشرعية.

2. عدم تقديم الرأي الفقهي على الشرع وترك معارضة الرأي بالشرع، يقول رحمه الله: «فأسوأ الآراء رأي الذين يعرفون النصوص ويعملون بما يعارضها، ويتمحلون ( أي يحتالون) في تأويلها وإخراجها عن ظاهرها لتوافق آراءهم الفاسدة».

3. تقدير الرأي الفقهي قدره، وأنه قابل للخطأ والصواب، ولا يجعل بمنزلة الكتاب والسنة، ولا يلزم به الآخرون.

4. عدم متابعة من خالف النص الشرعي مهما علت منزلته، وعدم تقديس الأشخاص.

5. الرجوع عن الرأي إلى الدليل إن تبين له الخطأ في الاجتهاد.

6. الحذر من التعصب المقيت حين تناول الراجح من الأحكام.

7. تجنب الاختلاف والجدال المذموم الذي يسبب التنازع والفرقة، ولا بأس بالخلاف الناتج عن تفاوت العقول أو لمعرفة الحق في الأحكام.

8. طلب الحكم في مظانه وبذل الوسع والطاقة في البحث في القرآن والسنة وآثار الصحابة.

9. التثبت والتروي في الاجتهاد وعدم التسرع.

10. الإكثار من مشاورة أهل العلم والفقه.

11. تقديم العذر للمخطئ من أهل الفقه.

12. عدم التشدد في الأحكام الفقهية.

لقد لازم الشيخ رحمه الله مجموعة من العلماء الأعلام الذين لهم باع طويل في النظر في الأحكام الشرعية، وقد أفتي دهراً وهو في رعاية هؤلاء العلماء. وقد أمضى عشر سنوات في «مجلس الإفتاء في المملكة الأردنية الهاشمية».

وقد سُئل كثيراً عن المسائل التي تعرض لمن لا يعرف الحكم فيها، وشارك في جلسات كثيرة بُثّت على الهواء من عدة قنوات فضائية، وكانت تأتيه يومياً عشرات الفتاوى عبر الهاتف محلياً وعالمياً.

لقد تميز الشيخ عمر رحمه الله في عطائه العلمي الشرعي بالدقة والوضوح والتركيز والاختصار، فكثيراً ما كان يجيب بكلمتين أو ثلاثة، وكثيراً ما تكون الإجابة بكلمة «لا بأس» أو «لا ينبغي» وإذا كان ثمة شرح فعادة ما تكون إجاباته شافية كافية مصحوبة بدليل حاسم.

كان لا يتردد في أن يقول في إجاباته أنه (لا يعلم) كما كان لا يهمه كثيراً إن كانت إجابته تخالف أحياناً المألوف أو ما درج عليه الناس. وقد اعتمد في منهجه الفقهي أساساً على صحيح الحديث الشريف، وهذا ما جعل فتاويه منضبطة ذات تأصيل شرعي واضح.

مرضه ووفاته

لقد كان صابراً -رحمه الله- على البلاء والمرض، فمنذ أن عرف خبر إصابته بالسرطان، وهو صابر محتسب يرجو من الله تعالى الأجر والثواب، ويكثر أن يقول إن ذلك رحمة من الله عز وجل، وما أصابني لا شيء في جنب ما أصاب الأنبياء والصالحين، وكان حريصاً على التداوي بما ورد في السنة.

وكانت أيامه الأخيرة مليئة بالمصابرة، وكان يردد حين يعاتب في قلة تناوله الطعام والشراب، فيقول: يطعمني ربي ويسقيني، فالمريض في رعاية الله ورحمته، وقد أكرمه الله تعالى بأن مات مبطوناً والمبطون شهيد كما في الحديث الصحيح.

قبض رحمه الله يوم 22 رمضان عام 1433هـ في العاصمة الأردنية عمان وفي جمعة رمضانية من العشر الأواخر المباركة عن عمر يناهز اثنين وسبعين عاماً. ولعل ذلك فأل خير بحسن الخاتمة إن شاء الله.