اسمه ونسبه وميلاده
عبدالباقي جمو الشيشاني من مواليد الزرقاء في 4/12/1922م وأمه من شيشان الجولان في سوريا، والشيشاني ليس اسماً لقبيلة أو عشيرة بل هو نسبة إلى البلد ( شيشينية) إحدى الجمهوريات الإسلامية التي تحكمها موسكو .
ويؤكد الشيخ عبدالباقي أنه من أصل عربي حيث ينتمي أجداده إلى الشيخ عبدالقادر الجيلاني وأن جديه الحادي عشر والثاني عشر كانا في جمهورية الشيشان حيث قدموا من بلاد العرب.
وقد تعرض الشيشان لمذابح في أيام القياصرة وأيام الحكم الشيوعي، ولا يزالون يخضعون لموسكو رغم أنهم يطالبون بالاستقلال لكن موسكو ترفض لخصوبة أرض الشيشان ووجود النفط فيها.
ونتيجة للاضطهاد هرب كثير من الشيشان بدينهم فسكنوا تركيا وسوريا ولبنان والأردن والعراق ومصر والمغرب والجزائر وبلاد المهجر ويبلغ عددهم في تركيا أربعة ملايين وفي الأردن ثلاثون ألفاً.
دراسته الجامعية وعلاقته بالإخوان المسلمين
درس الشيخ عبدالباقي جمو في الأزهر الشريف ، والتقى بعدد من العلماء خلال فترة تواجده في مصر ، وكان له اتصال بعدد من علماء جماعة الإخوان المسلمين كالشيخ حسن البنا والشيخ حسن الهضيبي.
وقد انخرط الشيخ في جماعة الإخوان المسلمين بعد اجتماعه بالشيخ حسن البنا ، وتدرج في جماعة الإخوان إلى أن صار نائباً للمراقب العام في الأردن وكان المراقب العام يومها المرحوم محمد عبدالرحمن خليفة رحمه الله.
إلا أن صلة الشيخ عبدالباقي انقطعت بالإخوان تنظيمياً عام 1959م حيث ترك الجماعة هو عدد من قياداتها لوجود بعض الخلافات السياسية معهم.
وبالرغم من تركه الإخوان تنظيمياً إلا أن يحافظ على علاقة ودية مع رموز الجماعة ويبادلونه الاحترام.
العمل السياسي
رشح الإخوان المسلمون الشيخ عبدالباقي للبرلمان عام 1956م واستمر نائباً لعقودٍ طويلةٍ وصار عمامته المميزة جزءاً من التراث السياسي البرلماني الأردني حيث تشير عمامته إلى الشيشان وإلى الاتجاه الإسلامي في البرلمان.
وكانت للشيخ جولات في البرلمان كما أنه عين في مجلس الأعيان عام 1993م حيث أصر الملك الحسين رحمه الله أن يكون في مجلس الأعيان.
كانت للشيخ رؤى سياسية لا تختلف عن الإسلاميين عموماً حيث المنطلق الواحد ، ولعل أبرز قضية أشغلت وتشغل المسلمين وهي فلسطين هي خير مثال على رؤية الشيخ السياسية فلطالما خطب في المنابر المسجدية أو البرلمانية حيث كان يؤكد الشيخ على أن لا حل لها إلا بالجهاد، وأن الأمة بوضعها الحالي غير مؤهلة لأية نتيجة إيجابية بشأن فلسطين، وكان الشيخ يبرر ذلك بأمرين : الأول يعود إلى الحكام وتفرقهم وخورهم. والثاني : يعود إلى فساد الناس بصفة عامة.
مع أنه لطالما هاجم الدول المتآمرة على الأمة الإسلامية، ولطالما ذكر صلاح الدين الأيوبي وأنه ما لم يتوفر شخص يحمل صفات تلك الشخصية النادرة فإنه لن تقوم للأمة قائمة.
أما علاقته بالأسرة الهاشمية فكان يؤكد على أن هؤلاء لهم شرعية قانونية وتاريخية وأنهم أحفاد الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ ولهذا لابد من الوقوف معهم ونصرتهم وهذا لا ينفي توجيه النصح لهم كلما تيسر ذلك.
أما الحزبيون غير الإسلاميون من شيوعيين وبعثيين ومن ساروا على دربهم فكانوا يأخذون حظهم من نقد الشيخ بلسان السياسي والعالم المناوئ للفكر المناهض للإسلام.
لقد كان الشيخ يحظى باحترام الملك الحسين وكان يناديه : (أخ عبدالباقي) ، وقد كان للشيخ دور بارز مضاد لمحاولة الانقلاب التي أرادها بعثيون وناصريون ولهذا كان الشيخ ضدهم وهذا في نهاية الخمسينات من القرن العشرين ، حيث كان يومها من الإخوان فخرج هو وشباب من الإخوان في الزرقاء مناهضين للذين سُموا بالضباط الأحرار بالهتافات ومعهم العصي وأنهم مستعدون للتضحية لبقاء الملك والحيلولة دون سيطرة البعثيين والناصريين المناهضين للإخوان.
الشيخ والعمل البرلماني
لعل الشيخ عبدالباقي هو أكثر من عمّر في العمل البرلماني فقد كان عضواً في مجلس النواب منذ الخمسينات واستمر لأكثر من أربعين سنة ! كما وعمل في مجلس الأعيان ، هذا بالإضافة لكونه وزيراً للشؤون البرلمانية.
بعد أن خاض الانتخابات النيابية وأخذ المقعد الشيشاني الشركسي عن محافظة الزرقاء منه ، صدرت الإرادة الملكية بتعيينه في مجلس الأعيان.
إن المتصفح لعمله في مجلس الأعيان يلاحظ ما يلي :
أولاً : لقد كانت غيرة الشيخ على اللغة العربية واضحةً ويراها أحسن اللغات وأرقها ، ولم يمر تشريع على الأعيان إلا وفيه من الأخطاء اللغوية ما يثير الشيخ ويحركه للاعتراض واقتراح الصواب ، ولطالما أكد الشيخ على أهمية اللغة الفصحى في التشريع وأنها ليست مسألةً شكلية كما يظن بعضهم بل لها انعكاسات قانونية تطبيقية.
ثانياً : ومما كان محل عناية هو الوقوف مع الضعفاء من فقراء وعاطلين عن العمل ومتقاعدين قدامى ، ولطالما تحدث عن الحرس الوطني وضرورة تعديل تقاعدهم وبخاصةٍ أن هؤلاء هم الذين كانوا في الخطوط الأمامية يدافعون عن الوطن بينما غيرهم في أمن واستقرار وراحة.
وتشهد محاضر جلسات الأعيان أنه كان نصيراً للضعيف والفقير ويدقق في التشريع الذي قد ينال منهم مثل الرسوم والضرائب. كما رفض تفرد الحكومة بسن الرسوم لأن هذا عمل نيابي ، ومهمة النواب حماية الناس وعلى نفس النسق كان ينتقد الرسوم التي تفرضها النقابات على منتسبيها دون الرجوع لمجلس النواب.
ثالثاً : وكان للشيخ مداخلات سياسية بارزة وبخاصة في موضوع القدس ، وكان له تعليق بارز حول المصطلح الذي تم استخدامه حين كان الحديث عن الدولة الفلسطينية وعاصمتها (القدس الشريف)أو (القدس الشرقية) أو ( في القدس) وكلها ألفاظ لم يكن الشيخ معها لأنها تتضمن مفاهيم لا يقبلها, فقد يفهم البعض ( القدس الشريف) على أنها الحرم فقط وهو لا يعترف بالقدس الغربية لليهود ، كما أن كلمة (في القدس) تعني التنازل عن القدس لأن كلمة (في القدس) تعني جزءاً وليس كل القدس.
وكان لا يرى حلاً مع اليهود إلا بالجهاد وقال( لن يصلوا إلى سلام) ، ولطالما ذكر صلاح الدين وكان يحلم بمجيء شخصية مثل صلاح الدين.
وكان كرهه لليهود واضحاً في خطبه المسجدية والبرلمانية فكان يصفهم بشذاذ الآفاق وناكثي العهود والغدارين.
رابعاً : ومن مداخلاته في محاضر الأعيان استمرار تكراره الولاء للهاشميين ، حيث يرى الشيخ أنهم أصحاب شرعية دينية وقانونية ، بينما آخرون جاءوا على ظهور الدبابات في اغتصاب واضح للسلطة ، ولهذا حكم أصحاب الدبابات بالحديد والنار.
وكان معجباً بالراحل الحسين وقرأ يوم مات الحسين تحت قبة البرلمان { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلا}.
وقال في جلسة 15/2/1999م : ( أما الحسين فكما قال الناس وقلتم ولكن هل تعجبون أن جده لأمه محمد رسول الله ، وجده لأبيه علي بن أبي طالب).
ويقول في جلسة 23/2/1998م : ( لست مع الذين يضيئون الشمعات والشمس في كبد السماء، ولا مع من يطفئها في الليل.. وحتى المتآمرون إن كانوا في هذا البلد أو خارجه فموقف الأردن بقيادة الهاشميين هو موقف ورثوه عن الآباء والأجداد، وليسوا من المكابرين ولا من الذين وصلوا الحكم عن طريق السلاح).
خامساً : وكان الشيخ واضح الهوية الإسلامية ، كيف لا وهو يلبس العمامة منذ شبابه حتى كهولته ، وصارت عمامته رمزاً من رموز الأردن ، فقد كان يستدل بالآيات والأحاديث ، يقول في جلسة 15/6/2000م : ( { يمحق الله الربا ويربي الصدقات..}).
وقال في جلسة 25/1/1998م : ( يقول الرسول صلى الله عليه وسلم» والله لا يؤمن والله لا يؤمن ، قالوا خاب وخسر من يا رسول الله قال الذي ينام شبعاناً وجاره جائع وهو يعلم»).
وكان فقهه واضحاً يقول في جلسة 10/7/2000م : ( ... والقاعدة الفقهية تقول التخصيص بعد العام لا يخصص العام ).
وفي جلسة 29/11/1999م قال ( وجاء هذا القانون معدلا ً؛لأن 99% من مواده مخالف للشريعة الإسلامية) ، وقال في نفس الجلسة ( أنا أتكلم دفاعاً عن الإسلام).
وفي جلسة 12/8/1998م ( لا يجوز التمييز بين زوج وزوجة إلا في حالة واحدة وهي في المواريث) ، وحينما تحدث زميل له في جلسة 23/7/1998م بشيء من الكلام غير المناسب في لفظ الخالق والمخلوق اعترض عليه بطريق السؤال قائلاً: ( أنا والله أحببت أن يعرّفنا... الخالق والمخلوق في معرض كلامه)، وعن العلماء يقول في جلسة 22/6/1998م : ( إن الإسلام لا يأخذ بعمل العلماء إذا خرجوا عن القاعدة والشريعة) ويستدل بقول عمر رضي الله عنه: ( لو أن أهل اليمن اشتركوا في قتل رجل لقتلتهم به).
كان الشيخ محباً لبلده الأردن ولطالما وصفه بالبلد الصابر المرابط ، ولم يكن الشيخ يخفي حبه للأردن بل ويفتخر به ويعتز يقول في جلسة 10/4/1999م : ( فنحن كبلد عربي مسلم لا يمكن أن نترك من يصاب في بلدنا حتى لو كان من أقصى العالم).
ويقول في جلسة 1/2/1999م : ( علينا أن نكون نصحاء أمناء نتقي الله فيما نقول ، ونحول دون من يريد أن يعبث بأمن هذا البلد وأن يفرق بين شرقي وغربي أو شمالي وجنوبي فنحن كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
وكان يعتز بالجيش ويقول (جيشنا العربي الأردني) وقد لفت نظري اهتمامه بكل الأردن حيث تحدث عن (معان) وغيرها ، يناقش مشاكلها ويقترح الحلول لحل مشكلة.
ولم يكن الشيخ محباً لكثرة الكلام بل كان يوجز حين يلزم ويشرح حين يتطلب الشرح ، وقد كان يمارس هذا في المجلس كما كان يمارسه يوم كان خطيباً في المسجد حتى لا يطيل على الناس خشية السآمة ، بل يوجه نقده لكل من يطيل ، فخير الكلام ما قل ودل.
وكان غيوراً على الزرقاء التي مثلها أكثر من أربعين سنة في البرلمان ويتحدث عن هذه المدينة المهملة حيث تلوث المياه وضعف وجودها ومعاناة أهلها من العطش وكل أهل الزرقاء يعرفون بابه مفتوحاً حيث يراجعونه في المسجد والطريق وفي بيته.
وهو مخالط لأهل الزرقاء يزورهم ويشاركهم أفراحهم وأتراحهم بكل تواضع.
وكانت غيرته على الزرقاء وشبابها حيث لم تكن هناك جامعة، فاجتمع ورهطٌ من الطيبين وأسسوا جامعة الزرقاء الأهلية وقد أثر هذا في سياسة الدولة مما دفعها لتأسيس جامعة حكومية هي الجامعة الهاشمية، فصار لأهل الزرقاء جامعتان بعد أن كان يرتحل يومياً لعمان وإربد الآلاف من الطلبة في معاناة حقيقية.
ولعل حبه للزرقاء هو الذي جعله متميزاً فلم يغادرها ليسكن مكاناً آخر، بل بقي في البيت الذي كان فيه منذ نشأته ولم يغادر المدينة رغم عمله في مجلس النواب ومجلس الأعيان وفي الحكومة وزيراً.
عبدالباقي وزيراً
أشغل الشيخ عبدالباقي جمو منصب الوزارة حيث كان وزيراً للشؤون البرلمانية وهو موقع مناسب له حيث عرف بالخبرة النيابية التي تراكمت له عشرات السنين.
اشترك الشيخ في حكومة زيد الرفاعي وكان وفقاً لمهمة هذا المنصب رابط الوصل بين الحكومة والنواب ، وهي مهمة كبيرة وصعبة حيث أشغلتها أنا شخصياً وأعرف أن وزير هذه المهمة مكلف باستقبال النواب وطلباتهم والبحث عن إمكانية تنفيذ هذه الطلبات من حيث الإمكانات وقانونية تلك الطلبات أيضاً.
ولعل الأهم في هذه الوزارة هو إيضاح رأي الحكومة في المسائل التي تطرح تحت القبة وإجراء الاتصالات بالنواب وتصنيف مواقفهم ومتابعة أسئلتهم واستجواباتهم إزالة حالة التوتر التي قد تنشأ مع نائب أو نواب أو المجلس كله.
كما أن المهمة ملقاة على هذا الوزير للتحضير السياسي كي تفوز الحكومة بثقة المجلس وما يتطلبه هذا العمل من محاورات وإقناع وتنفيذ.
الخطابة المسجدية
عرف أهل الزرقاء سماحة الشيخ خطيباً مفوهاً في مسجد الشيشان (مسجد أبي بكر) حيث كانت خطبه متميّزة كل التميز ، فقد كان سماحته قصير الخطبة سيراً على هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث ورد في الأثر: ( من علامة فقه الرجل قصر خطبته وطول صلاته) فلم يكن ثقيلاً على الناس في خطبه بل كلامه موجز مفيد.
كان يتناول موضوعاً واحداً ليقع التركيز عليه، ولعل أبرز ما كانت تتميز به خطبه خلوها من أخطاء اللغة العربية حيث إنه متمكن من اللغة مالك لناصيتها وهو ما نفتقده في كثير من الخطباء الذين يهبطون بمستوى الخطبة نتيجة للضعف الواضح في اللغة.
أما طبيعة خطبه فقد كانت تتناول أحوال الأمة حيث كانت خطبته بياناً أسبوعياً يغرس في الأمة فكرها النير ويغذي فيها الغيرة.
وأن هذه الأمة لن تنهض بغير الإسلام ، فكل ما أصابها إنما هو لتركها دينها فقطفت الثمار المُرّة من انقسام وتشتت وتغوّل للأعداء ونهب فلسطين، ولا حل لهذه المشكلات إلا بالعودة إلى الإسلام.
لقد كانت خطب الشيخ في شبابه خطباً نارية لا تُبقي ولا تذر ، فلما تقدم به السن صارت الخطب فيها مع الغيرة هدوء الكبار الذين ينظرون بعمق ويتفهمون ما يجري وهذا لا يعني تغير الفهم والفكر بل هي الطبيعة الإنسانية التي تفرز خطاباً لكل فترة من العمر حيث يندفع الشباب في غيرة محمودة ، فإذا دخلوا في النضج والشيخوخة اعتمدوا التأني والحكمة.
الفقه عند الشيخ
يسير الشيخ عبدالباقي وفق المذهب الشافعي لكنه لا يرى بأساً في الأخذ بآراء أخرى خارج المذهب الشافعي ، وكنا نسمع في دروسه آراء يؤيدها وهي من مذهب الحنفية أو غيرهم.
لكن الشيخ كان حاداً تجاه المتفيهقين وضد أولئك الذين يدّعون الفقه في يوم وليلة.
وكان يشن عليهم الهجوم تلو الآخر ويتحداهم بأبسط أدوات الفقيه وهي اللغة العربية فيقرعهم وينتقدهم نقداً لاذعاً ، كما عارض الشيخ الذين يهاجمون المذاهب الفقهية لأن هذه المذاهب قد قامت بدور كبير في حفظ الإسلام ونشره وإعمال الاجتهاد فيه، وهي محل احترام المسلمين عبر مئات السنين.
ولهذا كان ينكر على كل متطاول على المذاهب ، مذكراً بأن هؤلاء المتطاولين لا يعرفون اللغة العربية التي هي أداة لفهم النصوص القرآنية والنبوية فضلاً عن أن هؤلاء لم يتعلموا العلم على أصوله، ولم يتعلموا الأدب الإسلامي الذي يوجب احترام العلماء الكبار.
الدور الاجتماعي
للشيخ عبدالباقي
كما قدمنا في رمزية عمامة الشيخ عبدالباقي حيث عرفت به وعرف بها وصار الناس يميّزونه عن بعد وعلى شاشات التلفاز وكان لعمامته حضور في المشهد الاجتماعي حيث الأفراح والأتراح والمناسبات بصفة عامة.
فهو شيخ اجتماعي مشارك تراه في مقدمة الجاهات والمجالس ، يجامل الناس ويشاركهم الفرح والترح ، وهو مساهم جاد في الإصلاح بين الناس الذي هو عبادة من العبادات المقررة في الإسلام.
يقول الله تعالى : ( والصلح خير ) ويقول : ( إن أُريد إلا الإصلاح ما استطعت) ، ولأن الأردن مجتمع يخدم القبائل والعشائر حيث العادات والتقاليد ولأن الشيخ من مدينة الزرقاء مولداً ونشأة ونيابة وكهولة وخطابة فهو على صلة بجميع المكونات والعائلات وإلى أواخر حياته تراهم يتحلقون حوله من شتى المنابت والأصول ، فهذا من يافا وذلك من بني حسن وهذا من نابلس وذلك من اربد ، فالشيخ جامع لا يفرّق ، قاد جاهات الصلح بين المتخاصمين ، وساهم في حقن الدماء، وكان له دور كبير في بناء البيوت المسلمة حيث خطب العرائس لكثير من الشباب عبر ستين سنة من العمل المضني الدؤوب.
ولعل دوره يظهر ، وحاجة الناس إليه تبرز حينما تكون هناك جرائم القتل العمد والخطأ حيث لا يقصده قاصد ويرده ، بل يسارع إلى العمل وفي كافة المحافظات فهذه جاهة خطبة عروس في الزرقاء، وتلك جاهة أخذ عطوة في اربد، وثالثة في الأغوار و ورابعة في الجنوب.
وهو معتمد لدى وزارة الداخلية في هذا الشأن ، حيث تلجأ إليه الوزارة في المسائل العويصة الخطيرة على مستوى الأردن بأكمله ، حيث كان له دور كبير في إصلاح ذات البين وحقن الدماء ونشر الوئام محل الخصام.
وفاته
وفي مساء يوم الأربعاء 11/5/2016م انتقل الشيخ عبدالباقي إلى رحمة الله ، بعد حياة زاخرة بالعطاء والعمل الصالح ، وخدمة الوطن ، ونفع الناس ، وشُيعت جنازته بعد صلاة العصر يوم الخميس 12/5/2016م من جامع الشيشان في الزرقاء إلى مقبرة الشيشان في السخنة ، فرحمه الله رحمة واسعة ، وغفر له ، وأعلى درجته في جنات النعيم.
قالوا عن الشيخ عبد الباقي
بقلم د. عمر وفيق صابر
( يا عمر الخير جزيت الجنة) بهذه العبارة كان يتلقاني سماحة الشيخ عبد الباقي كلما اجتمعنا في مكان رغم الفارق الكبير في السن يحيطني بعظيم الانتباه و كثير من العطف و المودة ، لا أدري إن كان هذا الشعور يخصني وحدي أو أن هذا الشعور يصيب كل من تعرف على الشيخ إذ يشعره بخصوصية يحس من خلالها أنه هو الأثير لديه.
نشأت و جموع أصحابي في أواسط القرن العشرين في مدينة الزرقاء هذه المدينة التي ضمت القادمين من بلاد الإسلام المتعددة مدينة بدأت تتشكل و تكبر سريعاً و عرف الناس فيها تجمعات تخص أبناءها فهذه حارة الشوام و هذه حارة الشيشان و هذا مخيم اللاجئين الفلسطينيين و هذه اسكانات الضباط و أفراد القوات المسلحة .
يعيش أهل الزرقاء في محبة و ألفة يعرفون بعضهم جيدا يحترمون الكبير و يعينون الصغير و بمناسبة ذكر الكبير فإني أذكر منذ طفولتي و إلى اليوم أن الشيخ عبد الباقي جمو كان كبيرا دائما فإذا تحدثت عن المرجعية الدينية في الزرقاء قالوا : هيا بنا نسأل فيمن نسأل الشيخ عبد الباقي جمو ذاك الشيخ الأزهري ، وإن تحدثت عن المرجعية العشائرية و فض النزاعات قيل لك لا يحلها الا الشيخ عبد الباقي جمو، وإن تحدثت عن ملاذ الملهوف و الشفاعة لأصحاب الحق قيل لك اذهب للشيخ عبد الباقي جمو، أما العمل التطوعي والخيري فحدث ولا حرج إذ تجده من المؤسسين في الجمعيات الخيرية و الجامعات الواعدة والمشهورة في الزرقاء كجمعية التربية الإسلامية و جامعة الزرقاء و جمعية الكتاب الإسلامي وغيرها، إنه وبكل معنى الكلمة يعتبر بعد الله ملاذا آمنا و ظلا حانيا للطيبين .
عندما تنظر إلى هذه الشخصية التي ملأت سمع و بصر القرن العشرين بطوله في الحياة السياسية والاجتماعية و الإسلامية الدعوية و تنظر إليه يعبر إلى القرن الحادي و العشرين مقتربا من سني عمره المائة و هو لم يزل كما عرفناه كبيرا زعيما وملاذا نتعلم منه كيف يكون الكبير كبيرا في كلامه و هدوئه و اتزانه و صبره عند فقدان الأحبة والأقرباء من الأولاد و غيرهم داعية مثابرا لا يترك فرصة الا و ينتصر فيها للدين كما أنه من المنتصرين دائما للغة العربية الفصيحة و أشد ما يؤذيه أن يخطئ مخطئ في اللغة فالعربية لديه هوية و دين قبل أن تكون أداة نطق و تعبير.
بارك فيك يا شيخنا أبا هارون ( عبد الباقي جمو ) فقد كنت ومازلت وستبقى شيخا و زعيما وملاذا من جيل الرواد و من أعمدة الوطن لا تخشى في الله لومة لائم مع سؤال كل من يحبك الله أن يثيبك خيرا وأن يبارك بك و بأعمالك الطيبة و الحمد لله رب العالمين .
الشيخ عبد الباقي جمو كما عرفته
بقلم النائب الدكتور محمد الحاج
حينما تذكر الزرقاء يذكر معها الشيخ عبد الباقي جمو لم تكن شهرته نابعة من كونه ممثلا لها في البرلمان مع بداية الخمسينات من القرن العشرين فحسب، بل عرفته الزرقاء بكل جنباتها، خطيبا في مساجدها وموسعا لعدد من مدارسها وحاضرا في دواوينها ومجالسها وكافة مناسباتها.
عرفته مع بداية السبعينات يوم كنت طالبا في كلية الشريعة بالجامعة الأردنية إذ تقدمت بطلب إلى مديرية أوقاف الزرقاء لأعمل خطيبا ولأنني لم أكن بعد قد حصلت على الشهادة الجامعية كان لا بد أن أخضع إلى امتحان أو مقابلة مع لجنة توجيه الجهات التي كان الشيخ جمو رئيسا لها في الزرقاء، فجلست بين يديه يسألني وأقرأ الفاتحة ثم آيات من القرآن وأهم ما كان الشيخ يركز عليه أن على الخطيب أو الامام أن يتقن قراءة الفاتحة باللفظ الصحيح ، كانت له هيبته ووقاره وتولد له في نفسي احترام خاص لما رأيت من علمه وتواضعه وأدبه الجم وأخلاقه الراقية.
وعملت بعد تخرجي من الجامعة معلما في مدرسة الزرقاء الثانوية كنت أتردد على مسجد الشيشان لأحضر درسه الفقهي أو لأستمع إلى خطبته يوم الجمعة معجبا بلغته العربية وأسلوبه المتميّز.
وتعمّقت العلاقة مع الشيخ في نهاية الثمانينات يوم صرت نائبا في المجلس الحادي عشر ومستفيدا من خبرته البرلمانية ورافقته في مجلسين متتابعين.
حقا إن جلسات الشيخ جمو ثرية ممتعة بما تسمعه من الشيخ من تجارب وخبرات وعلوم ومعلومات ، نسأل الله تعالى أن يهدينا سواء السبيل إنّه سميع مجيب.