ابواب - وليد سليمان

الحلوى الأولى في شهر رمضان، تظل دائما عربية وشهيرة ومعروفة عبر الذاكرة بِ (القطايف) لذلك فهي من أحد مظاهر وأجواء الانشغال الاجتماعي بالشهر الكريم.

والقطايف.. تلك الحلوى الرمضانية تشتهر كثيرا في الاردن و مجمل بلاد الشام: الاردن وسوريا ولبنان وفلسطين وكذلك في مصر... وهناك من يعتقد ان القطايف أصلها القديم من بلاد الاندلس العربية الاسلامية.

ام هل أصلها من مصر أيام الفاطميين!؟.

لكن المرجح أكثر أن أصلها من أيام حكم الدولة الأموية.. لأن بعض الروايات التاريخية تذكر أن الخليفة معاوية بن أبي سفيان طلب من صناع طعامه إيجاد طعام يحل مشكلة شعوره بالعطش والجوع في نهار رمضان!! فصنعوا له هذه الفطيرة العربية (القطايف) ليأكلها أثناء السحور.

رحمه الله... فمنذ ثلاث سنوات رغم غيابه عن الدنيا « ابو علي» بائع القطايف الرمضانية واليومية وطوال السنة منذ العام عام (1960) على درج الكلحة أو المنها... ما زال أبناء وأحفاد « ابو علي « يحافظون على تراث وسمعة قطايف أبي علي الشهيرة جداً في كل أنحاء عمان وخارجها أيضاً.

وكان قديماً من مميزات (قطايف أبو علي) أنها ليست رمضانية فقط!! بل ان أبا علي كان يصنعها يوميا طوال السنة.. ومن بعده جاء الأبناء ليفتحوا محل والدهم ليومين كل أسبوع: الجمعة والسبت لصنع وبيع القطايف.

والآن في رمضان هذا يتواجد العديد من أحفاد أبي علي لصنع القطايف لزبائنهم الذين لا يتعبون من صعود درج الكلحة لشراء قطايفهم الشهية.

ويقول أحد أبناء «ابو علي» المرافق للأحفاد لصنع القطايف في محلهم القديم وهو « عبدالله احمد فرحان «:

بعد وفاة والدي ابو علي رحمه الله قررنا أنا وأشقائي أن نعيد سيرة محل والدنا العريقة وهي (القطايف طوال السنة) رغم أن الإقبال قليل على القطايف في الأيام والشهور غير رمضان بالطبع.

ومع ذلك فقد أردنا الحفاظ على تراث هذا المحل واسم الوالد.. حتى أننا لم نغير في ديكور المحل كثيراً!! لتظل الصورة القديمة في الذاكرة للزبائن الذين اعتادوا على مشهد ومنظر وديكور المحل القديم!!.

مزاج الناس مع القطايف

ولماذا كان الراحل أبو علي يصنع القطايف في الأيام العادية طوال السنة منذ القديم؟!.

ربما يكون وراء ذلك أسباب نفسية وذوقية لدى بعض الزبائن الذين يصومون عادة في يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع في الايام العادية غير رمضان، وهؤلاء منهم من يود تناول حبات القطايف بعد صومه للنوافل.

والمدهش كذلك أن نعرف أن بعض الصائمين لا يفضلون أكل القطايف في رمضان بل في الأيام العادية الأخرى!!.

كذلك هناك بعض المغتربين الأردنيين الذين يأتون لزيارة بلدهم وأهلهم في شهور غير رمضان, فيشتاقون لتناول حلوى القطايف فيقومون بشرائها وإتمام تجهيزها في بيوتهم للتمتع بأكلها مثلاً.

كذلك بعض السياح الأجانب يحبون أن يجربوا تلك الحلوى العربية الشرقية وهي القطايف.

أبو علي وذكرى القطايف

وكان قديماً ابو علي قد تعلم هذه المهنة صنع القطايف في لبنان, ثم جاء إلى عمان مع بداية ستينات القرن الماضي وفتح هذا المحل متخصصاً فقط بالقطايف, ولم يرد أن يصنع بجانبها أية حلويات أخرى!!.

لقد أحب صنع القطايف وبيعها فقط واشتهر بها في الأردن وفي بعض أنحاء العالم العربي والأجنبي في معظم قارات الدنيا.

وقديماً قبل عقود من السنين كانت (قطايف أبو علي) توزع على بعض المطاعم الشهيرة في عمان مثل: جبر ي، عطا علي، السلام... الخ.

وقبل نحو ست سنوات تم تكريم المرحوم ابو علي في مهرجان فني ثقافي أُقيم على درج الكلحة عند تجديده، وذلك من قبل أمين عمان الكبرى آنذاك.

أكل القطايف

وفي إشارة لجنسيات المشترين والآكلين للقطايف قال ابن ابو علي (عبدالله فرحان):

أولاً الأردنيون ثم السوريون ثم المصريون ثم الفلبينيون, وكذلك بعضا السواح الأجانب, وهناك من يشتري حبات القطايف ليرسلها إلى الأهل في دول الخليج والدول الأجنبية كذلك.

والقطايف المشهورة كثيراً في في بلاد الشام وبالذات في رمضان، ويقوم الصانعون لها بعمل أحجام عديدة منها:

العصافيري الصغير جداً والذي يحشى بالقشطة والفستق الحلبي، ومن الناس من يأكلها هكذا نيئة غير مشوية, وهناك الحجم اللبناني والحجم العادي المعروف, ثم الكبير, ثم القرص الضخم وهذا يُصنع حسب طلب الزبون.

أما لماذا تختلف مذاقات القطايف من محل إلى آخر؟! فإن ذلك يرجع لمبالغة بعض صانعي القطايف في زيادة إضافات كثيرة من التوابل إلى عجينة القطايف.

اما عن حشوة القطايف بشكل عام فهناك عدة حشوات وكذلك حسب رغبة ومزاج افراد الاسرة.. فمنهم من يُفضل حشو القطايف بجوز القلب او جوز الهند او القشطة او الفستق الحلبي او الفستق العادي او الجبنة البيضاء الحلوة غير المملحة او العجوة والتمر.. وهناك من يضيف الى ذلك بعض حبات الزبيب.

وعن مكونات عجينة القطايف فان الخلطة الجيدة لا بد ان تتكون من المواد التالية:

طحين زيرو نوع جيد وبعض السميد ومحلب ومستكة والقليل جدا من الكربونة والخميرة والماء بالطبع.. وهناك من يضيف اليها بعض الحليب.

اما طريقة اعداد حبات القطايف في البيت فهي معروفة أي انها لا بد لها من قطر حلو جاهز وبعض السمنة ومن ثم شيها بالفرن افضل من قليها بالزيت.

والقطايف هذه الحلوى الرمضانية الاردنية مشهورة ايضا في دول الجوار في كل من فلسطين وسوريا ولبنان ومصر.. وفي دول اخرى عربية كالخليج ولكن بشكل اقل.

وفي التاريخ العربي القديم عُرفت القطايف أيام الفاطميين في مصر.. حيث كان بعض الحلوانيين يتنافسون بصنع انواع جديدة من الحلوى لعرضها على الخليفة هناك.. فقام ذات مرة احدهم بصنع هذه القطايف وقدمها بصحن كبير ليأكل منها الخليفة مع حاشيته بعض اللقم لانه صنع فيها حبة واحدة كبيرة محشوة بالمكسرات.. وكانت هذه الحبة يشبه ملمسها الناعم احد أنواع القماش ويسمى بالقطيفة.. فسميت هذه الحلوى تشبيها بالقطايف.

الاقبال كثيرا

ويتم الاقبال كثيرا على شراء أقراص القطايف في مدن الأردن ومنها عمان بعد الظهر، ويزداد الاقبال أكثر بعد العصر وحتى قرب اعلان الافطار مع أذان المغرب.

كما ان بعض محلات القطايف، يكون عليها إزدحام لشرائها حسب الدور والنظام وبالتذكرة!!.

وهناك من الأسر الاردنية من يهوى شراءها يومياً طوال الشهر الفضيل... ومنهم من يشتريها لأكلها كل عدة أيام فقط.

في كل مكان في الأردن والبلاد العربية والاسلامية، تظهر مخابز القطايف بالأسواق وفي صدر وجبات البيوت وأثناء السهرات والزيارات وعند الولائم الرمضانية.

والمجتمع الاردني يعشق القطايف وبالذات في عمان منذ أكثر من مائة عام، حيث كان بعض أصحاب المطاعم أو ممن لديهم خبرة بصنع القطايف عجناً وخَبزاً.. يقومون خلال هذا الشهر بتحويل محلاتهم الى مشاغل صغيرة للقطايف.

على درج الكلحة

ومحل قطيف ابو علي ما زال يتواجد عل درج شهير في عمان.. فالعاصمة عمان تتميز بكثرة الأدراج فيها التي بقيت كمعالم تراثية للمدينة، ومن أشهرها درج المنها والذي يطلق عليه البعض درج الكلحة وهو بالأصل يعود بالتسمية لعائلة المنها التي سكنت في أعلى الدرج قديما.

ويصل الدرج بين شارع الملك حسين (السلط) في وسط البلد هذه الادراجُ المريحةُ المُتعبةُ–صعوداً وهبوطاً- هي أجملُ اللوحاتِ التي رسمها اهلُها على مدى السّنين.. وبخاصّةٍ في الفتراتِ التي كانَ الناسُ، يُزَيّنونَ مداخلَ بيوتِهم، المجاورة لهم، من كلا الجانبين، بالياسمينِ المزروع في عُلب السَّمنة، والحليب، والزّيت.. وما شابهها، بعد أن تَفرغ، وبدلاً من رَمْيِها في الطّرقات، أو في الحاويات.. لِتُشَكّلَ على امتدادِ تلك الأدراج حديقةً خضراءَ مُتّصلة، من أوّلِها الى آخرِها.. صعودا الى جبل اللويبدة.

الشاعر والأدراج

حتى الأدراج أصبحت ذاكرة عمان..ألم يقل شاعرنا الكبير (حيدر محمود):

أدراجُ عمّانَ

النازلةُ من جِبالها،

الى قاعِ المدينة.

أو الصاعدةُ اليها

تُشبهُ ربطاتِ

العُنقِ الانيقة

على قمصانٍ

شديدةِ البياض.

* ما أحلى تلكَ الأيّامَ!

ويسترسل «حيدر محمود « شاعر القصائد الصافية والحب العظيم للوطن الاردني، عندما يشتاق لذكريات المرور بدرج الكلحة فكان هذا الحوار ما بين الشاعر و در ج الكلحة:

مُنْذُ القَرْنِ الماضي

لم أَصْعَدْ دَرَج الكَلْحة

لكنْ حين رآني

ناداني باسْمي!

كيف عَرَفْتَ!؟

فَرَدَّ: إذا نَسي البَشَرُ

فلا يَنْسى الحَجَرُ،

ولا يَنْسى الشَّجَرُ

وأَخْبَرني: أنّ لديهِ تَسْجيلاتٍ

بالصَّوتِ، وبالصّورَة، عنّي

حين طَلَعْتُ، وحين نَزَلْتُ،

وحين وَقَعْتُ، وحين بكيتُ،

وحين ضحكتُ.

ما أحلى تلكَ الأيّامَ،

وأغلاها.. أَتَذَكَّرُ «يا حَيْدرُ»

وَقْعَ خُطاكَ وَوَقْعَ خُطاها

قلتُ لهُ: لا تُكْمِلْ،

فالحيطانُ لها آذانْ،

وعُيونٌ، وشفاهٌ،

ولها ألفُ لسانْ!

قالَ: شريطةَ أنْ تكتبَ

عنّي في الدُّستورْ أو الرأي

رائعةً من شِعْرِكَ أنْتْ

وليس من الشِّعْرِ المَنْثورْ

لأُعَلِّقَها في رأسِ الدَّرَج،

وأَجْعلَها أُيْقونةَ

كلِّ الأَدْراجْ

وأقولَ لعمّانَ الحُلوةِ :

نحنُ الأَصْلُ،

فَرُدّي غُرْبَتَنا عَنْكِ،

وخلّي تلكَ الأَبْراجَ

لأَهلِ الأَبْراجْ.