أضافت الحكومة الإسرائيلية قانوناً جديداً أطلق عليه «قانون القومية للشعب اليهودي»، والمعروف بيهودية الدولة، صوت إلى جانبه (48) نائباً من أصل (120) عدد نواب الكنيست، وعارضه (41) نائباً، وعلى رأس المعارضين نواب القائمة العربية المشتركة التي تضم (13) نائباً، وهذا القانون اعتبر بمثابة إعلان حرب على المواطنين العرب في إسرائيل، الذين يشكلون 20% من مجموع عدد السكان، فهذا القانون اعتداء على مكانتهم وعلى حقوقهم الأساسية، ويعرض وجودهم في وطنهم ومستقبلهم للخطر، ويضعهم تحت رحمة حكومات إسرائيل العنصرية اليمينية.

منذ أكثر من عقد، تحاول الأحزاب اليمينية تمرير تشريع هذا القانون، فحكومة «نتانياهو» اشترطت اعتراف الفلسطينيين بيهودية الدولة، كشرط لأية تسوية لكن اللافت للنظر، أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، لم تضع مثل هذا الاشتراط، لدى مفاوضاتها مع بعض الدول العربية، والتوصل إلى حلول معها، فلم يضعوا مثل هذا الاشتراط، الذي وضعوه في مفاوضاتهم مع الجانب الفلسطيني.

إن هذا القانون الذي يطلقون عليه: إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي، هو قانون عنصري إضافي يفوق خطورة عن عشرات القوانين العنصرية التي شرعتها ضد المواطنين العرب، فهدف هذا القانون اقتلاع عرب الداخل من حقوقهم، ومن دلائل خطره، أنه يحظى بشبه إجماع صهيوني على ما جاء فيه، من استهداف للشعب الفلسطيني، ليس المتواجدين على أرض وطنهم، بل في جميع أماكن تواجدهم، بينما يعتبرون بأن اليهود في العالم شعب واحدا، وليس ديانة، لا أساس لهذه البدعة التي اختلقوها، لتبرير وجودهم على أرض فلسطين، فهذا القانون يحدد في بنده الأول أن فلسطين- وحسب تسميتهم بـ «أرض إسرائيل»-هي مكان تقرير المصير للشعب اليهودي وحده، ما يعني أن لا حق للشعب الفلسطيني في تقرير مصيره في وطنه، لسد الطريق امام إقامته دولته الفلسطينية، وبالتالي لغلق الطريق أمام عودة اللاجئين الفلسطينيين والمهجرين في وطنهم، ويجعل من مواطني فلسطين 1948، رعايا في وطنهم، لا حقوق قومية لهم، واعتداء على تداول لغتهم العربية، وبطبيعة الحال، فإن شرعية وجود فلسطينيي الداخل، وتطلعاتهم القومية، لا يستقيها من خلال القوانين العنصرية الصهيونية، فقد تمادى القانون على مكانة لغتهم العربية، فهم مواطنون أساسيون، من مواليد هذه البلاد فالقانون يستهدفهم ويستهدف وجودهم، ففي عام 2015، حاول «نتانياهو» تشريع هذا القانون على الكنيست لكن جرى تجميده، بسبب المعارضة والانتقادات الكثيرة التي جوبه بها، لكن العنصرية تتفاقم، مما جرى طرحه على الكنيست من جديد، وعندما بحث هذا القانون في اللجنة التشريعية للحكومة، صوت أعضاء الحكومة بالإجماع عليه، بينما رفض هذا التشريع في السنوات السابقة، فالوزير «نفتالي بينت» رئيس حزب البيت اليهودي، قرر قول الحقيقة على حد تعبيره، أنه لن تقوم هنا دولة فلسطينية.

علينا أن نشير أن هذا القانون حمل في طياته موضع خلاف عقائدي بين التيارات الدينية اليهودية والصهيونية، ويثير خلافات يهودية. يهودية، يثير تحفظات كثيرة، لدى اوساط الديانة اليهودية في العالم، بما يشمل منظمات وجمعيات ناشطة في اللوبي الصهيوني الأميركي، لها أهميتها في دعم إسرائيل، وأن هذه الخلافات وأشدها ظهرت لدى التيار الديني المتزمت «الحريديم» المناهضين للصهيونية، مع أن قسمهم الأكبر يعترف بإسرائيل ككيان فقط، ويشارك في الحكم، وانتقادهم للقانون كونه لا يمنح مكانة كاملة وحاسمة للشريعة اليهودية، كمرجعية أولى للتشريعات، أما العلمانيون فإنهم يتخوفون من تثبيت الشريعة اليهودية على الحياة المدنية العامة في إسرائيل، وقد وصف وأعلن رئيس حزب «يوجد مستقبل» النائب «يائير لبيد»، بأن قانون القومية هو قانون كراهية، وتحريض فئات المجتمع ضد بعضها البعض، ومن الطبيعي أن معظم الانتقادات والمعارضة لهذا القانون جاءت من قبل المجتمع العربي في إسرائيل.

وحسب نص صيغة هذا القانون العنصري، التي وضعها «نتانياهو»، تحديد هوية دولة إسرائيل، يصنفها الدولة القومية للشعب اليهودي، وأن ما يطلقون عليه بأرض إسرائيل، أي أرض فلسطين الانتدابية، هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي الذي يجسد فيها حقه في تقرير المصير، وبمزاعم تراثه الحضاري والتاريخي، ويقر القانون بأن النشيد الوطني للدولة هو «هتكفا» بالعبرية، وترجمتها الأمل بالعربية، وأن علم الدولة أبيض مع خطين سماويين في جانبيه، تتوسطهما شارة نجمة داوود باللون السماوي، وأن رمز الدولة هو الشمعدان السباعي وعلى جانبيه غصنان للزيتون وأسفله كلمة إسرائيل، ويؤكد القانون على مبدأ حق العودة، لأي يهودي في العالم والحصول على الجنسية الإسرائيلية بمقتضى القانون، ضمن مبدأ جمع الشتات اليهودي، ورفض جمع شتات الفلسطينيين، وستعمل الدولة على تدريس تاريخ الشعب اليهودي وتراثه وتقاليده في جميع المؤسسات التعليمية، وأن التقويم العبري يعتبر التقويم الرسمي للبلاد، وسيكون القضاء العبري مصدر الأحكام في المحاكم الإسرائيلية.

وخلاصة القول، فإن مضمون هذا القانون العنصري لا يحتاج إلى تعليق، بل أنه يتحدث عن نفسه بنفسه، ونضيف أن ما كان معروفا لنا من قبل، فإن إسرائيل تريد الأرض بلا فلسطينيين، وتنتهج سياسة التوسع والتنكر لحقوق الشعب الفلسطيني، إنها دولة تعتمد في حكمها البلاد على القوة العسكرية والبطش، وهي والسلام نقيضان، وكلمة أخيرة فإن مضمون هذا القانون يتطلب من العالمين العربي والإسلامي، أخذه بعين الاعتبار في رسم سياستهم الدولية، وبخاصة في الصراع العربي-الإسرائيلي.