كتاب

أسباب بعيدة وتمظهرات

كم هي حاجتنا اليوم ماسة الى ما قد تسميه «علم نفس الافكار» أو الى العلم الذي نملك أن نكون ظاهرين به على دواعي التمذهب واصوله النفسية والاجتماعية, وعلى كيفية نشوء فرق الغلاة والباطنية, وعلى ألوان تمظهرها وتقنيات تخفّيها. ولقد كان الجاحظ اول من عرض فيما أعلم لجوانب من تحليل الاسباب النفسية والاجتماعية والتاريخية لاصناف «المعارضين» الذين يثورون بالسلطان أو يتخذون مواقف سلبية من الدولة, وكان أفاد في ذلك بما في القرآن الحديث من كشف للدوافع التي كان يتكتمها المنافقون او لدوافع تنكّر الامم الخالية والاقوام التي تنزّلت رسالات السماء فيها لانبيائها, أو للفروق التي تتمايز بها فئة من اهل الكتاب أو من الاعراب عن غيرها.

على أن للإمام الغزالي الذي عاش اواخر القرن الخامس الهجري تفصيلاً في هذه المسألة قصره على الفئات او الطوائف التي عاصرها ورأى انها تمثل خطراً على دولة الاسلام, وهو تفصيل يمكن القياس عليه اليوم مع أخذ اختلاف الزمان والمكان بعين الاعتبار.

فثمة طائفة, فيما يرى الغزالي ضعفت عقولهم, وقلّت بصائرهم, وسخفت في امور الدين اراؤهم, لما جبلوا عليه من البله والبلادة..

وثمة طائفة انقطعت الدولة عن اسلافهم بدولة الاسلام كأبناء الأكاسرة والدهاقين وأولاد المجوس المستطيلين, فهؤلاء موتورون قد استكن الحقد في صدورهم داء دفيناً.

وثمة طائفة لهم همم طامحة الى العلو في الارض والى التسلّط والاستيلاء.

وثمة طائفة جبلوا على حب التميّز عن العامة والمفارقة لهم.

وثمة طائفة سلكوا طرق النظر ولم يبلغوا فيه رتبة الاستقلال, ممن اعتقدوا محض الكفر تقليداً, وداعيهم الى ذلك حب التشبّه بالحكماء والتميّز عمن يعتقدون أنه في الذكاء والفضل دونهم.

وثمة طائفة اتفق نشوؤهم بين روافض الشيعة فاعتقدوا التديّن بسبّ الصحابة فمالت نفوسهم الى الباطنية.

وثمة طائفة من ملحدة الفلاسفة والثنويّة اعتقدوا وضعيّة الشرائع والنواميس, ولم تتجاوز بهم عقولهم ذلك الاعتقاد.

وثمة طائفة استولت عليهم الشهوات واستدرجتهم متابعة اللذات فهم في ضلالة غالبة من ذلك.

***

طوائف واصناف لا نعتقد أنها استغرقت واقع الفكر والسياسة والاجتماع ايام كتب الغزالي «فضائح الباطنية» ولا نحسب أنها يمكن ان تستغرق واقعنا اليوم وقد اصبح اكثر التباساً وتعقيداً. لكننا نفيد من تصنيف الغزالي كما أفدنا من قبل من تصنيف الجاحظ في الالتفات الى الدواعي والاسباب الكامنة التي تعتمل فيما وراء ظاهر الحركات السياسية التي تتخذ العنف والدموية سبيلاً, اذ الناس هم الناس في كل زمان ومكان, والحاضر اشبه بالماضي من الماء بالماء, و»علم نفس الافكار» هو المؤهل لمعالجة كثير من «الحالات» النفسية التي تتخذ صفة «المواقف» الفكرية, وتجادل عن ذاتها اشد الجدل وتخاصم في «مطلقاتها» ألدّ الخصام.

ثم إن بإمكاننا الذهاب بالقياس الى حيث نستطيع ان نعود بكثير من دعاوى الديمقراطية وحقوق الانسان (الحقيقية والزائفة المصطنعة) الى مظانّها من الاسباب النفسية والتاريخية (بعيدة وقريبة), وكم في ذلك, إن أحسنّا القياس من بيان حقيقة ومن كشف التباس.