مباهج الأفكار في وحي الأسحار.. 3-3 «تأملات حرة»
11:00 23-4-2017
آخر تعديل :
الأحد
على انه لا بد من الاقرار ان واقعة الابصار وحدها لا تكون دائماً كافية, وأنه لا بد من هدى يمضي بها الى حيث يكون سداد الوعي, وصوابه, ورشده, وها هنا نتبين معنى ان يؤتي الله النفوس تقواها, لأن التقى كالتمهيد للعلم ولصحة الاستدلال, وهو في البصر بصيرته النافذة ودليله الهادي. قال تعالى في سورة الصافات من كتابه العزيز: «وابصر فسوف يبصرون» فلو كان ابصار الأعين كافياً لما كان هذا الامر الكريم بإبصارهم وتبصيرهم, ولما كان ذلك الوعيد بأنهم سوف يبصرون «يوم لا ينفع مال ولا بنون, الا من اتى الله بقلب سليم». إن الحواس هي نوافذ الوعي على العالم الخارجي, لكن للوعي نوافذه على العالم الداخلي للانسان ايضاً. فاذا استغلقت هذه الاخيرة دون الوعي غدا عاجزاً كليلاً لا يلامس الا سطوح الاشياء, وباتت حصيلته بعض ظاهر هذا العالم, فسرعان ما تذهب بدداً ويغمرها النسيان, اما اذا ظاهرت البصيرة البصر, وعزز اليقين الداخلي الحس الخارجي, وصدّق علم الجوانح علم الجوارح, فإن ذلك هو عين اليقين الذي تطمئن اليه الالباب, وتهدأ عنده النفوس.
***
ونفتح كتاب الله العظيم مرة اخرى, ونقرأ قوله تعالى من سورة الاعراف «ولهم أعين لا يبصرون بها, ولهم آذان لا يسمعون بها» ثم ندعوه تعالى ان لا نكون في هؤلاء الذين لا يبصرون ولا يسمعون, وان يبارك لنا في سمعنا وبصرنا, وان يجعل قلوبنا مسبّحة بحمده, آناء الليل واطراف النهار.
***
يقول الله تعالى في كتابه العزيز: «والعصر, إن الانسان لفي خسر» والعصر هو ما بين الظهر والمغرب, والعصر ايضاً هو مطلق الزمان, أو هو حقبة منه, فكيفما ادرنا المعنى هنا فهو متعلق بآن من زمان بعينه, أو بكل زمان كان أو سيكون.
واقتران الزمان بالخسر اكثر شيء تحققاً في هذه الحياة الدنيا, وليس ينفك المرء, على مدار الليل والنهار من خسران مبين يلمسه وفي ماله وفي احبته, لا بل انه ومنذ يولد وهو منذور للموت يترقبه على منعطفات عمره.. فكيف اذن تكون نجاة, وكيف يكون كسب ولا يكون خسران!!
***
ومع تقرير حقيقة الخسران للانسان في هذه الدنيا فإن ثمة استثناء تبيّنه لنا الايات التاليات من سورة العصر نفسها: اذ يقول الله تعالى بعد قوله: «والعصر إن الانسان لفي خسر».. «الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر», فلا ينتصر على الخسران في حياة الانسان الا الايمان, والعمل الصالح, وايثار الحق, وانتهاج الصبر. اربعة اركان تهزم الخسران, فلا يستغرق الاعصر ويهتضم الحيوات, ويظل للمرء اذا استعصم بها أن يكون من الناجين في الدارين, وان يبعثه الله مقاماً محموداً..
***
ومن قصرت به مداركه عن فهم تصاريف الزمان وتقادير الاعصر, وشغلته اللحظة التي تستغرقه عما بين يديها وما خلفها, فجعلها على قصرها ووشيك فواتها ابداً مديداً أو كالأبد, ثم لم يزل بها, على ضيقها, حتى يملأها كبراً وزهواً وخداعاً وكيداً, فاذا هي اتخذت سبيلها في مجرى الايام سرباً, كاد يبخع نفسه على اثارها, وملأه الهم واكتنفه القنوط, فهو اذن دهري يقول مع القائلين: «ما هي الا حياتنا الدنيا, نموت ونحيا, وما يهلكنا الا الدهر» ولا غرو فقد تقطعت نفسه حسرات على لحظة فانية, فما عمره الفاني الا دهره الذي يهلكه, ما دعاؤه الا في ضلال!!
***
للمؤمن اذن ان يستبدل بالخسر فوزاً مبينا: اذا هو قرن ايمانه بالعمل الصالح, وجعل الحق رسالته في دنياه, وصبر وصابر ورابط ولم يجعل هذه الحياة مناط همه, واخر علمه, بل جعلها سلماً ومرقاة واتخذها الى ذي العرش سبيلاً: غفرانه, وجنته, ورضوانه.
***
في اللحظة.. في دائرتها المغلقة.. في افقها المحصور, لا يملك الانسان ان يرى الرؤية الصائبة..
انه في حاجة قائمة الى ان يغادر ضيق ما هو فيه, والى ان يرى لحظته, هذه التي سبقها, في سياق عدد غير متناه من اللحظات, قد سبقا ما لا يُعدّ ولا يحصى منها, وسيتلوها ما لا يعد ولا يحصى منها كذلك, فهي نقطة في خط لا يرى طرفاه, وهي لذلك اهون شأنا من أن يلقي رحاله عندها, أو أن يأخذه الزهو فيها وتتملّكه الكبرياء..
***
للصبر, اذن, دوره المشهود, في ابطال سحر اللحظة, وله دوره, كذلك, في الخروج بأحدنا من ضيق الاوان الى سعة الزمان, وفي رؤية بشائر الفرج في قلب الغمة, فاذا تواصينا به, فإننا نكون قد شددنا ازرنا بمدد حقيقي, ورفد مرفود, ونكون قد صابرنا اللحظة حتى اتخذت سبيلها, في بحر الابدية, سرباً..
***
قيل لليل ما انت والصمت؟ قال: هو رفيقي, وقيل ما أنت والهم؟ قال: مسامري, وما انت والصبر؟ قال: خليلي وحامل اوجاعي, وقيل ما أنت والسحر؟ قال: مفرّج كربتي وشفيع حبوتي ودليل الى الفجر, بورك من دليل..
***
للسحر وحيه, وله حديثه المستمر في ثنايا الظلام, وله تسابيحه وتراتيله, فإن نحن احسنا الاستماع الى ذلك كله, وجدناه بعض ما كان كامناً في قلوبنا, وتعرفنا به الى عوالمنا الداخلية, فكأنما السحر مرآة, وكأن ما يلقيه في وعينا نور منبعث من اعماقنا الى صفحتها..
***
مع السحر, تتوفر الكائنات, وتأخذ ترقب اطلالة النهار, وهو بعد فكرة في ضمير الكون, فيا للهاجس الفتان كيف يأخذ بألباب الاشياء, ويا للنبأ تتناقله النسائم حفية به كأنه الخلاصة من عطر خفي, يمنح الوجود ذاكرة الحياة واسرار الخلود..
***
على مشارفه وقفت, وكان ثم حديث هادئ يأخذ القلوب.
هل تنقضون ستائري أنكاثاً؟
لا بل سنبني خيمة من نور..
هل تحملون مواجعي ميراثاً؟
لا بل رسيس هوى وفيض حبور..
ثم تفرّقت السبل, ومضى كل لما ابتعث اليه, وكل في فلك يسبحون.
***
يقولون ان السحر والهدوء والسكينة تجتمع كلها على معنى واحد, لكن أحداً لا يتصور, الا في النادر القليل, أن يكون السحر عاصفاً ممتلئاً بالانواء, على الرغم من انه يكون كذلك فعلاً طوال الشتاء, وزلفاً من الخريف..
***
لابن الرومي قصيدة طريفة يقول فيها أنه رأى أحدهم, سحراً, يقلي زلابية, ثم يصف كيف يكون ذلك وصفاً عبقرياً, ولرب سائل: كيف ضرب هذا الشاعر المبدع صفحاً عن مناجاة السحر والطاف ما يكون فيه من معان ودلالات, ليجلس مثل طفل جائع امام بائع الزلابية, وهو يخرجها كالاقمار؟! وفي الجواب على هذا التساؤل تتسع مسافة التأمل والنظر في الضروري والكمالي من امور الانسان, ونجد انفسنا مضطرين الى قدر من الواقعية يحول بيننا وبين الغلو في الوهم, أو الامعان في التهويم..
***
الذين يقومون الليل, في عبادة الله, وتزكية الروح.
والذين يقرأون كتابه الكريم (إن قرآن الفجر كان مشهودا).
والمستغفرون في الاسحار.
اولئك جميعاً شرح الله صدورهم للايمان, وهداهم, بفضل منه تعالى, الى الحق المبين, وجعلهم رهبان ليل وفرسان نهار, وآتاهم تقواهم.
اولئك هم ملح الارض, هم زينتها, هم معناها الانساني, وبهم وحدهم يزهو الوجود, على حين قد لا تكون الالوف المؤلفة فيه الا نسخاً متكررة من قالب طيني مصمت كئيب..
***
ويطيب للنفس المؤمنة الاستغفار في السحر, لأنها تصحو من سباتها فيه, وقد نامت عنها شرورها, وانسحب منها ظلامها, وغدت شفيفة كالزجاج, تصتدع بالنور وتنبي عن تعلّقها بالعليم الخبير.
***
يا رب.. يا واهب الحياة, يا واسع الرحمة, يا غفور.. يا ودود.. اللهم إني ابوء لك بإثمي, وافزع اليك مثقلاً بالذنوب.. وما ثم الا رحابك يوم تضيق الرحاب, وظلك الظليل يوم تنسحب الظلال..
يا رب.. يا قابل التوب بعد أن استيئس الخاطئون, ويا مقيل العثرة بعد كبّت أنفس على وجوهها, واستيقنت الهلاك.. لولاك..
إن اليك المآب, يا رب, واليك رجوعنا الاخير, بعد تطواف هذه الدنيا وتيهها, فمن لدنك كان البدء يا اول يا خالق.. واليك, بين يديك يكون الختام يا آخر.. يا سلام.. يا مهيمن.. سبحانك.