كان مما جاء في «كتاب المجالس والمسايرات» للقاضي الاسماعيلي النعمان بن محمد قول المعز الفاطمي: «نريد أن نعمل قلماً يكتب به بلا استمداد من دواة, يكون مداده من داخله, فمتى شاء الانسان كتب به فأمده وكتب بذلك ما شاء, ومتى شاء تركه فارتفع المداد يؤثر فيه, ولا يرشح شيء من المداد عنه, ولا يكون ذلك الا عندما يبتغى منه ويراد الكتابة به, فيكون آلة عجيبة لم نعلم أنا سبقنا اليها ودليلاً على حكمة بالغة لمن تأملها وعرف وجه المعنى فيها».
ويقول القاضي النعمان انه «ما مر بعد ذلك الا ايام قلائل حتى جاء الصانع الذي وصف له الصفعة به معمولاً من ذهب, فأودعه المداد وكتب به فكتب, وزاد شيء من على مقدار الحاجة, فأمر باصلاح شيء منه فتم ذلك, ثم جيء به فاذا هو قلم يقلّب في اليد ويميل الى كل ناحية فلا يبدو منه شيء من المداد.. ولا يسمح بما عنده الا عند طلب ذلك منه.. ولا يخرج منه ما يضر فيلطخ يد من يمسكه او ثوبه.. وهو جواد لمن سأل, وممسك عمن لم يسأل, ومستغن بما فيه عن غيره ان يستمد منه..».
ويقول محقق كتاب المجالس والمسايرات إن قلم المعز هذا سبق بثمانية قرون اول قلم خزان عرف في اوروبا وهو قلم F.B.Foelsh سنة 1809م ثم قلم J.Seheffer سنة 1819م.
وإن هذا كله ليذكّرنا بما جاء في كتاب الاميركي (توبي. أي. هاف) عن العلم بين الصين والاسلام واوروبا (من منشورات عالم المعرفة في الكويت الشقيقة) حيث يؤكد انه لم يكن بين عالم الاسلام وبين اللحظة التقنية المعاصرة الا قاب قوسين او ادنى وان الظروف الصعبة التي تعرّض لها هذا العالم هي التي حالت بينه وبين عبور هذه اللحظة.
كما اننا نستذكر «الساعة» التي أهداها هارون الرشيد الى «شارلمان» وكانت مصدر فزع لحاشيته لما اعتقدوه من وجود عفاريت الجن فيها، ونستذكر الى ذلك المراصد الفلكية في انحاء العالم الاسلامي، وما كان من اهتمام العلماء فيه بالمنهج التجريبي الاستقرائي، وما كان من نقضهم للمنطق اليوناني وغير ذلك كثير.
واذا كان من نتيجة ننتهي اليها فهي أن الهاجس العلمي في ابناء الأمة لا بد ان يكون مصحوباً بارادة سياسية تهيء له مناخ الإبداع، وتلك هي امم الصين والهند واليابان شاهدة على ذلك. ولو أن سياسة العرب أشعلوا مثل هذه الارادة ومضوا بها الى تحقيق مطلوباتها لكان لهذه الأمة حضور حضاري مختلف، ولما كانت عالة على الأمم المتقدمة في صناعاتها وفي كثير مما تأكله وتلبسه، فضلاً عما تدافع به–لون دفاعٍ–عن نفسها..
لقد جاء المعز الفاطمي بنظرية في «القلم الذي يكون مداده من داخله» وتعلقت إرادته بذلك، فما مرّت الا ايام معدودة حتى كان القلم المطلوب بين يديه.
وإنّ لنا في هذه الواقعة من القرن الرابع الهجري لعبرة ونحن نرى الى غلبة ارادة التنازع والتناحر في امتنا على ارادة الحياة فيها، والى شرود السياسات فيها عن مدارج العزة وطرائق النهوض، فيا لله لأمة لا يجد رادة العلم فيها ظهيراً ولا نصيرا. وإنا لله وإنا إليه راجعون.
قلم المعز والارادة السياسية
11:00 9-4-2017
آخر تعديل :
الأحد