تنفسح مسافة خلف كبيرة بين «هذا الشعر!» الذي يملأُ الاسواق وبين ما ينبغي ان يكون عليه «الشعر» الذي لم تشتغل أمة كاشتغال العرب به. ولعل كيفية بناء «الذائقة الشعرية» ان تكون هي ملتقى اسباب هذه الحال التي تستغرق جيلا اثر جيل من محدثي المشتغلين بهذا الفن الاثير، ذلك ان النقاد المعاصرين قلّما عُنوا بهذه الذائقة، اذ كانوا بين متمذهب يريد ليبسط ظل اعتقاده على الادب، واكاديمي يريد فرصة لتطبيق منهجياته - ومعظمها مقتبس - وصحفي قصاراه التغطية السطحية الطائرة، فما ثمة من ينتبه الى هذا الشرط الذاتي/الموضوعي في آن. واذا كانت الاشياء تُعْرَفُ بأضدادها فان قراءة في اعمال الدكتور زكي مبارك مثل «النثر الفني في القرن الرابع» و»الموازنة بين الشعراء» و»عبقرية الشريف الرضي» كفيلة باظهارنا على اثر الذائقة الصّناع في جلاء القيمة الفنية والشعورية للأدب، وفي تقدير الشعر على وجه الخصوص. كما ان كتابا مثل كتاب الدكتور عبدالكريم اليافي: «دراسات فنية في الادب العربي» كفيل باظهارها على صورة مختلفة من النقد الادبي التطبيقي الذي يصدر عن مثل هذا الذائقة التي نفتقدها اليوم الا في القليل النادر.
ولما كان النقد مرتبطا بالابداع الادبي معلولا له وان كان لا يبعد ان يعود عليه بألوان من التنقيح والتقديم، فان بيان شروط اكتمال قدرة «الاديب» قد تكون هي نفسها شروط اكتمال قدرة «الناقد» على ان لا يغيب عنا ان في اهاب كل اديب ناقدا يوجهه ويقود خطاه، وان في إهاب كل ناقد اديبا «ذوّاقة» يقفه على مواطن الجمال فيما ينقده او يتوسمه.
هنا نملك الوقوف امام نص دقيق الاشارة الى جملة ما نقصده في كتاب: «منهاج البلغاء وسراج الادباء لحازم القرطاجني المتوفى قبل سبعمئة وثلاثين عاما على وجه التقريب، حيث يقول فيما يمكن اعتباره امتدادا لتلك النظرات العميقة في البيان التي اشتمل عليها كتابا الجرحاني العظيم: «دلائل الاعجاز» و»اسرار البلاغة»: انه «لا يكمل الشاعر قول على الوجه المختار الا ان تكون له قوة حافظة، وقوة مائزة وقوة صانعة».
«فأما القوة الحافظة - التي تنعقد بها وبأختيها الذائقة - فهي ان تكون خيالات الفكر منتظمة، ممتازا بعضها عن بعض، محفوظاً كلها في نصابه، فاذا اراد مثلا ان يقول غرضاً ما في نسيب او مديح او غير ذلك (من اغراض الشعر) وجد خياله «اللائق به» قد اهبته القوة الحافظة بكل صور الاشياء مترتبة فيها على حد ما وقعت عليه في الوجود. فاذا اجال خاطره في تصورها فكأنه اجتلى حقائقها».
هذا هو صنع الحافظة المدربة عند القرطاجني، ونحن نستذكر هنا ما كان من النظام المعتزلي حين نصح ابا نواس بحفظ عشر آلاف بيت من الشعر، ثم عاد فنصحه بنسيانها بعد ان أُشِربتها نفسه وتشكلت في ضوئها وبأثرٍ منها ذائقته.
ثم تأتي بعد ذلك القوة المائزة التي يتبيّن بها الشاعر «ما يلائم الوضع والنظم والاسلوب والغرض مما لا يلائم ذلك، وما يصح مما لا يصح، ولعمري ان في ذلك لمكابدة لا يصبر لها الا اولو العزم من الشعراء المطبوعين الحريصين على خدمة مواهبهم، وقليل ما هم في كل العصور.
ثم تأتي اخيرا «القوة الصانعة» وهي «التي تتولى العمل في ضم بعض اجزاء الالفاظ والمعاني والتركيبات النظمية والمذاهب الاسلوبية الى بعض، والتدرج من بعضها الى بعض، وبالجملة هي القوة التي تتولى جميع ما تلتئم به كلمات هذه الصناعة».
ان ها هنا توكيدا لاثر الذاكرة اللغوية التعبيرية ولمذخورات الخيال ولقوة العقل في تشكيل الذائقة الادبية التي يتنكب العناية بها طوائف ممن يرون ان المنقولات المجتزأة من مترجمات ما يؤلفه نقاد غربيون، انطلاقا من خصوصياتهم اللغوية والثقافية، كفيلة بتنصيبهم نقادا يشار اليهم بالبنان، ويوصفون - عند بعض الكتبة السُذج - بانهم نوابغ القرن وعلماؤه الافذاذ على حين اذا فتشت ما انجزوه وجدته اشبه بعمل اللاقطات في اعقاب الحصاد، او كمن يقف بقامة قصيرة على اكتاف عملاق اوروبي ثم يهيب بالناس ان يعترف بسموقه وطول قامته.
ان استعارة مقاييس نقدية من ثقافة أُخرى بالغ الدلالة على هشاشتين مجتمعتين، اولاهما معرفية وثانيتهما اخلاقية. واذا جاز ذلك لأُمّة لم يكن الشعر هو ديوانها فهو لا يجوز في أُمّة العرب التي تميز فنها - كما يقول القرطاجني - الاثير «بكثرة الحكم والامثال والاستدلالات، واختلاف ضروب الابداع في فنون الكلام لفظاً ومعنى، ثم بتبحرهم في اصناف المعاني وحسن تصرفهم في وضعها ووضع الألفاظ بإزائها، وفي احكام مبانيها واقتراناتها ولطف التفاتاتهم وتتميماتهم واستطراداتهم، وحُسن مأخذهم ومنازعهم وتلاعبهم بالأقاويل المخيلة كيف شاءوا».
ولقد انتهى حازم القرطاجني بعد ذلك الى ان ارسطو لو وجد في شعر اليونان هذا الذي تقدم بيانه من شعر العرب «لزادَ على ما وضع من القوانين الشعرية»، وما خلص اليه القرطاجني قريب مما انتهى اليه ابن سينا في تفرقته بين الشعر اليوناني والشعر العربي.
ومهما يكن من امر فإن «ناقداً» لا يأخذ ما تقدم في اعتباره ولا يبلغ منه دربة الحس ومهارة الذوق ما يقفه على مكانة الشعر في الروح العربية وعلى كينيات ما أبدى العرب فيه من العجائب–على حدل قول ناقدنا القرطاجني–لا يعدو ان يكون مسوّد صفحاتٍ، ومفسد أذواق، وإن أكثر النظر الى عطفيه، او تطاول، مسامتاً العلماء، على قدميه..
الذائقة الأدبية ونقد الشعر
11:00 3-4-2017
آخر تعديل :
الاثنين