اضطرتني الظروف الى بيع العزيز عليّ من كتبي - وكلها عليّ عزيز وانا به ضنين – اكثر من مرة, وكان مثلي في ذلك مثل ذلك الاديب البغدادي الذي غلب على نسخة من «جمهرة ابن دريد» فباعها للشريف المرتضى بستين ديناراً, فلما تصفحها الشريف وجد فيها هذه الابيات:
انست بها عشرين حولاً وبعتها
فقد طال وجدي بعدها وحنيني
وما كان ظني انني سأبيعها
ولو خلّدتني في السجون ديوني
وقيل إن المرتضى رد نسخة الجمهرة حين قرأ هذه الابيات الى صاحبها وترك له ثمنها, ثم صار الامر حكاية تستذكر, وصرنا نتمثل بها حين يكون ثمة تشابه بين ماض وحاضر, أو يكون ثمة مناسبة للتأسي وحسن الاعتبار..
على أن مما كان بعد ذلك ان قلبت صفحة الاضطرار تلك وغبر عهدها, وصار المرء في مزدحم من الكتب على اختلاف انواعها, وفي طبعات شتى للكتاب الواحد (الذي قد يكون في مجلدات عدة تفوق العشرة والخمسة عشر) فكان من صواب الرأي أن توزّع مجموعات منها بحيث تطمئن النفس الى عموم الافادة بها, وكان ذلك على نحو أو آخر لوناً من نشدان الرضى الذاتي والقناعة بما كان تيسر دركه من متواضع المعارف, على اعتبار ان العمر قصير, وان الغاية المثلى من القراءات المتتابعة في عقود السنين هي أن تسلمك آخر الامر الى «ذات مستبصرة» تملك ان تقرأ العالم والناس, وأن تتوسم ما في الانفس والافاق بقدر ما تستطيع في الزمن المتاح, ولكل اجل كتاب ولكل غدو رواح.
ثم إن في «كتاب الكتب» غنية عن كل كتاب, وذلكم هو القرآن الكريم الذي جاء «تبياناً لكل شيء» وهدى ورحمة للعالمين. فمن استمسك به وبالحكمة النبوية, وتدبّرهما حق التدبّر فهو في ثراء بالغ من اسباب المعرفة ومن مباهج الروح. ولعل هذا الذي ننتهي اليه هنا هو ما كان انتهى اليه كبار قارئي الكتب في تاريخنا الحضاري امثال الامام الغزالي والامام الرازي وغيرهما من اساطين العلوم, اذ المعارف في منطق الحياة الراشدة وسائل, ولا بد ان تقود الوسائل الى غايات, ونعماً هي غاية طمأنينة النفس وهدأة الروح..
ما وراء المعارف
11:00 14-3-2017
آخر تعديل :
الثلاثاء