يرى الدكتور حسن حنفي، مؤرخ الفلسفة المصري المعروف أن القرن العشرين أتسع لخمسة أجيال من الفلاسفة، أو من المشتغلين بالفلسفة على نحوٍ او آخر، ورتّب لكل جيل من هذه الاجيال مهمّته والقضية التي تشغَلُه، وجعل الاحداث السياسية الكبرى التي عرفها العالم العربي منعطفات فكرية حاسمة، وأسقط التحقيب السياسي على حركة الوعي والوجدان، فأصاب أحياناً وتنكّب حقائق الاشياء أحياناً، ولكنه جهد أن لا يُغفل اي جهد فردي او جماعي في تأريخه، بحيث يمكن اعتبار ما كتبه في التأريخ للفلسفة في العالم العربي في مئة عام مخططاً أولياً يمكن الإفادة منه لدى الكتابة المستغرقة للوعي الفلسفي في هذه المدة التي كان العالم العربي فيها يحاول النهوض بعد أن أثخنه الاستعمار بالجراح.
وكما أثبت الدكتور حنفي خمسة أجيال، تداخل بعضها في بعضٍ وعاصر بعضها بعضاً خلال القرن العشرين، إذ «الجيل» بحسب ابن خلدون أربعون سنة، وإذا التزمنا حرفياً بذلك، او رأينا الأجيال متتابعة فيه على شرطه، فإنه يلزمنا قرنين لا قرن واحد لاستيعاب الأجيال الخمسة المفترضة.. أقول كما اثبت الدكتور هذه الأجيال الخمسة فقد أثبت ايضاً، بموازاة ذلك ومتداخلاً معه تيارات فلسفية عدة، معظمها صدى لثقافة الغرب فينا كالليبرالية والماركسية والوجودية والبنيوية والتفكيكية وغير ذلك مما يُعَدّ امتداداً للثقافة الغربية او صدى لها على نحو او اخر.
كما أن الدكتور حنفي لم يغفل الفروق والتمايزات بين المشارقة والمغاربة، وبين الشوام والمصريين من جهة، وبين دعاة التغريب وبين دعاة التأصيل والتأثيل من جهة اخرى، وإن كان لم يطلق حُكم قيمة على الأولين ورجّح كفة الأخيرين الذين اعتبر نفسه واحداً منهم، وأنّ منهجهم القائم على استيعاب المنجز الغربي وتجديد التراث العربي في آن هو المنهج السليم.
ومما يُسَجّلُ للدكتور حنفي أنه ذكر عدداً من الأردنيين المشتغلين بالفلسفة مِنهم الدكتور سحبان خليفات والدكتور محمد أحمد عواد والدكتور فهمي جدعان والدكتور احمد ماضي والدكتور سلمان البدور، كما ذكر الجمعية الفلسفية الاردنية، والجمعية الفلسفية العربية التي أُعلن عن نشأتها في الاردن ايضا.. ولقد كان دأب الدكتور حنفي ان يذكر ما استطاع ذكره من مدرسي الفلسفة في شتى اقطار العالم العربي، وكأنما هو قائد فيلق يذكر اسماء المقاتلين معه، وما ذلك بمستغرب من الدكتور حسن حنفي الذي انتدب نفسه (وبجدارة معترف بها) لمهمته الجليلة في ايقاظ أمته من رقدتها وفي دفع دماء العافية في وعيها، وفي تهيئتها مرّة اخرى الى اداءِ دورها الحضاري المنشود.
والدكتور حسن حنفي، كما قلت له حين اهداني سفره القيم (من مجلدين): «هموم الوطن» اشبه الناس بغوغول الروسي الذي يرى النقاد ان معظم الروائيين الروس خرجوا من معطفه، اي من قصته الطويلة «المعطف»، فكثير من اساتذة الفلسفة وطلبتها (الذين أصبحوا اساتذة بدورهم) تتلمذوا على الدكتور حنفي، وأخذوا أبعاضاً منه، ولم يأخذوه جملة، فكان في ذلك مأزقهم، ونذكر هنا نصر حامد ابو زيد ولا نعدوه فهو أحد الخارجين من عباءة او معطف الدكتور حنفي، وإن كان لم يبلُغ ان يكون بحراً محيطاً على نحو ما كان.
وهنا نقول إن من شأن البحر المحيط أن تكثر عجائبه وغرائبه وأن تصطخب (أو تتهادى) أمواجه، وأن تختلط فيه اللآلئ بالاعشاب، وأن يغرق فيه السابح الضعيف وأن يجد السابح القوي فيه ذخائر البصائر.. ولو أمكن لنا – افتراضاً – أن نقسم بحر الدكتور حسن حنفي بحيراتٍ عدّة، لأمكن أن نجد في العالم العربي موارد كثيرة للتفكير العميق الجاد، نقول هذا ونحن على غير وفاق معه – وهو أستاذنا مع اساتذة كثيرين أولهم العقاد على نحو غير مباشر – في كثير مما يذهب اليه، ولكن الحق أحقّ أن يقال، فالدكتور حنفي أوافقته أم لم توافقه ذو أثر عميق فيك، وأظهَرُ اسباب ذلك سعة اطلاعه، ولا سيما على المنجز الغربي الفلسفي وعمق فهمه للتراث العربي الاسلامي، وما لا يخفى من شعوره بالمسؤولية الفكرية في مصر وفي العالم العربي على حدّ سواء.
ولعلّ من دلائل هذا الشعور القوي بالمسؤولية الفكرية (وهي مسؤولية اخلاقية في صميمها) ما لا يفتأ الدكتور حنفي يذكرنا به من ضرورة الاهتمام بقامات فكرية سامقة لا بُدّ للمثقف العربي – لا للمتفلسف وحده – من الوقوف المليّ المتدبّر إزاء أعمالها، مثل محمد عبده ومصطفى عبدالرازق، ومحمد حسين هيكل، والعقاد، ومحمد عبدالهادي أبو ريدة، وزكريا ابراهيم، وعبدالرحمن بدوي، اولئك الذين كانوا رهبان فكر وفرسان قلم، وتلك خصيصة في الدكتور حسن حنفي وفي كل كبير لا يتورّع عن الاعتراف بالكبار الآخرين.
وكما هو شأن الروّاد الذين يستكشفون مساحات متراحبة لأقوامهم، في الحياة وفي السياسة وفي الفكر وفي شتى مجالات النظر فقد كانت كتب الدكتور حسن حنفي أقرب شيء الى صنعة الروّاد هذه، ولا سيما كتابه «مقدمة في علم الاستغراب» الذي كان – لولا فَدَامةُ العقول – جديراً بأن تُعقد لدرسه الندوات والمؤتمرات، وبأن يكون مُفتتحاً لمرحلة جديدة في دراسة «المختلِف» فِكراً ونوازعَ، ومُستهلاً لعلم جديدٍ علينا، وإن كان أسلافنا العظام قد عرفوه كما هو الأمر عند البيروني في كتابيه: «تحقيق ما للهند من مقولة» و»آثار الأمم الغابرة»، وعند ابن حزم في «الفصل في الملل والنمل» وعند ابن رشد في شروحه لأرسطو، وغير ذلك كثير.
أقول، أخيراً، في هذه العجالة، إن الاستاذ الدكتور حسن حنفي (وهذا هو لقبه الأكاديمي) هو أكبر فلاسفة المشرق العربي اليوم، كما أن الاستاذ الدكتور طه عبدالرحمن هو أكبر فلاسفة المغرب العربي، وإن من حُسْن طالع المرء ان يقرأهما معاً، وأن يستنير بما أقاماه من منارات الفكر والوجدان، وأنْ يكون مع تمام استنارته بهما وكمال إفادته منهما مستقل النظر عميق التدبر على نحو ما يعلّمان، وأن يجهد جهده الذاتي الأصيل في أن يتأسّى بهما ويسير على نهجهما الصارم في «الفعل المعرفي» الجادّ المسؤول الذي هو وحده الذي يُسأل صاحب الفكر عنه يوم يقوم الأشهاد.
حَسَن حنفي قائد فيلق الفلاسفة المحدثين
11:00 26-2-2017
آخر تعديل :
الأحد