كتاب

عظمة الإنسان حين العمل بإتقان

ليس من نافلة القول: إِنّ الإسلام استطاع التغيير الإيجابي لخرائط العالَم السياسية والجغرافية والديموغرافية حتى الخريطة الذهنية للمهنة والوظيفة، فمن خلال المبادئ التي أرساها في منهجية المعاملات، اكتملَ نموّ الفكرة في أذهان الناس وأصبح بمقدورهم العمل لأجل الإنسانية لا لأجل الفئوية، ولأجل التشاركية لا لاستعباد الآخر فقط لأنه ليس من الدماء السامية التي تستعبد الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا.

ولا أريد أن أستطرد في مدح الصرح الإسلامي فالتاريخ يشهد له، ولكننا لا نجد قبل صرح الإسلامِ، حضاراتٍ بُنيت ولا أفكارا تطورت إلا على أكتاف فكرة السلاح والقتال والتحصين ومباغتة الأعداء، ولكن النهضة الإسلامية استطاعت أن تجعل من أبناء الصحراء والوادي والجبل ينتهجون العمل التطوري ليصلوا إلى الاختراع والصناعة والتطوير وحتى الطيران فوق السحب واكتشاف ما وراء البحار، ومن إنصاف الإسلام أنه يعطي كلّ ذي حقٍّ حقّه، فها هي الصناعات والتطوّر الذي يشهده العالم يشارك فيه المسلمون صناعةً وتطويرًا وابتكارًا واستهلاكًا دون منازعة أحدٍ بل منافسته بشرف المهنة فحسب.

والذي يقرره الإسلام: (وقل اعملوا) يعتبر دليلًا على أهميّة العمل وقوله: (فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) وبهذا ينطلق بنا الحرصُ على الإتقان في أيّ عملٍ يتوجب علينا عمله قلّ أو كثر دقّ أو جلّ، ولا ينفك العمل عن الإتقان إلا كان خسارةً فادحة، ثمّ إنّ طلبَ الإتقان يعني ضرورةً أن يمتنع الإنسانُ عن عمل الشرّ أو الأنانية في الصنعة ونتائجها، فحينما كان الناس سببًا في الرزق وتعلّم المهنة وهم المستهلكون لما ننتج كان لزامًا الحرص على سلامتهم ومنع الأذى عنهم. ومرتبة الإنسان بما يتقنه والناس ملتزمون باحترام مَن التزم حرفته وأتقنها وأدى ما عليه وأخذ الذي له دون زيادةٍ مجحفة وهذه كلها من توابع الإتقان التي تستحقّ التقدير لكلّ مَن أتقنَ دوره في الحياة بالعموم ولمن أنتج ما ينفع البشرية بالخصوص، والناس للناس في تقدير وتعظيم على قدر ما يعود نفعهم إلى الناس فلذلك تراهم يعظمون المتقنون والمخترعون والذين يؤدون واجباتهم على قدر من المسؤولية.

وفي مقابل هذه المرتبة ينبغي الحذر من إهمال الإتقان والذي قد يؤدي إلى الانزلاق في الغشّ والخديعة وأخذ حقوق الناس بالباطل من خلال الكسل والملل في عدم أداء الوظيفة والعمل بالشكل الصحيح، وينبتُ الحرص على نفع الذات من خلال قمع الذوات وهضم حقوقهم، وأمور تصل بالناس إلى الشكوى والشكاية والشكوك بين أبناء المجتمع الواحد ومحصلتها النتيجة التراكمية بإهمال شخصٍ ما أو مهنة ما إذا غلب عليه أو على أصحاب تلك المهنة الغشّ والخداع، لأنّ مَن أكثرَ من الشيء عرف به، سلبًا كان أم إيجابًا. ومن هنا كان احترام الناسِ إلى أصحاب مهنة ما والحديث عنهم ناتجٌ عن إتقانهم لمهنتهم، كما أنّ الإتقان محكٌّ ينبني على عليه احترام الإنسان لذاته ولمهنته وللآخرين مما يفرض احترامَ الآخرين له.

وقد يكون الحديث عن أهميّة المصداقية في العمل في بناء الاقتصاد المحلّي، ضرورةٌ اجتماعيةٌ ملحة، فإننا نجدُ تفشّي عدم المصداقية في العمل بين شباب مجتمعٍ ما يفقدهم اهتمام رؤوس الأموال والمستثمرين بهم وبإقامة المنشآت الجادّة لاحتوائهم وإفادتهم، فأصحاب الأموال يمكنهم الاستغناءُ عن فكرة مشروع إلى فكرة أخرى أو نقلها من بلد إلى آخر أو استقطاب عمالة وافدة من بلد إلى بلد، كلّ ذلك بحثًا عن المصداقية التي تنشأ من عظمة الإنسان في داخله ونفسيته وهمّته ويبرزها إتقانه فيما يقوم به من مهامّ أوكلت إليه بمعنوياتٍ عالية. ويبقى الحديث عن مسببات الفشل لدى شبابنا في ميادين الحياة المتعددة، ولكنه في مقامٍ آخر.

agaweed2007@yahoo.com