كتاب

شيء من التفاؤل في زمن الانحطاط !

ليس في واقعنا ما يستحق المديح والثناء أو يبعث على التفاؤل ، ولكنها مرحلة عابرة في حياة الأمة ، لأن لمرحلة الأنحطاط العام نهاية مثل كل القضايا والأزمات في حياة الشعوب والأمم. نعم سيكون لهذه الفوضى نهاية ، رغم قوة وجبروت ونفوذ الذين صدروها لبلادنا ، وزودوها بكل اسباب الديمومة من مال وسلاح وغطاء سياسي واعلامي.

اللافت ان سوريا ، بسبب دورها السياسي ، وموقعها الجغرافي ، أخذت الحصة ألأكبر من الهجمة العسكرية والضغط السياسي بهدف تفكيك الدولة واسقاط النظام وتقسيم البلاد ، لأهداف استراتيجية تتعلق بقضية الصراع مع اسرائيل ، وتسوية ، أو تصفية ، القضية الفلسطينية على قاعدة الشروط الأسرائيلية ، في ظل اليأس العربي المريح والعجز العام ، وبالتالي انهاء الصراع العربي الأسرائيلي ، ويا دار ما دخلك شر !!.

ولكن حسابات حقل الحاقدين العاجزين لم تتطابق مع حسابات البيدر في سوريا ، فتحطمت في دمشق موجة الفوضى الدامية التي امتدت من مغرب الوطن العربي الى مشرقه ، رغم استخدام المقدس في ساحة الصراع. نعم في سوريا ، لم يتقكك الجيش ، ولم تسقط الدولة ، فانكسرت ارادة العالقين في الماضي ، المدججين بفائض الحقد الطائفي المكبوت ، الذين يبجلون الموت ويستفزهم الفرح وجمال الحياة ، ويغضبهم ما تبقى من روح الأمة.

وفي سوريا ، كما في كل البلاد العربية ، قد لا يتوفر الوعي الوطني الشعبي القوي العام ، ولكن الشعب السوري لجأ الى وطنيته الفطرية التي امكن اللجوء اليها عندما لزم الأمر ، وصمد في وجه الغزو الداخلي والخارجي ، حيث كانت الحرب أقرب الى حرب كونية جديدة.لذلك نقول ونؤمن أن في سوريا يصنع التاريخ الجديد للمنطقة كلها ، وفيها بدأت خطوة الحل في المسارين السياسي والعسكري في وقت واحد.

بدأت مراحل الحل السياسي العملية الجادة في استانا وستنتقل الى جنيف ، وقد تتم المصالحة الوطنية في بداية المرحلة الأنتقالية ، التي ستشهد صياغة الدستور الجديد ، وثم اجراء انتخابات نيابية ورئاسية ، تساعد على صياغة مستقبل البلاد بمشاركة كل الطياف السياسية قي سوريا. اما الحل العسكري أو الحسم العسكري سيتواصل في ساحة المعركة عبر الحرب على التنظيمات الأرهابية المتطرفة ، والتنظيمات المسلحة التي رفضت الأشتراك في مفاوضات الحل السياسي.

الحقيقة ان هناك الكثير من الشك والألتباس والغموض حول مواقف اطراف عديدة معنية في ألأزمة السورية. بعض هذه الأطراف يسعى الى عرقلة الحل السياسي ، ويرفع شعارات تخطتها الأزمة ، ولكنه يراهن على استمرار الدعم المالي والعسكري والأعلامي والسياسي من الخارج ، لذلك نقول أن على الاطراف المعنية في التوصل الى حل سياسي لانهاء الصراع في سوريا وعليها ، العمل على تجفيف المنابع التي تزود التنظيمات المسلحة بالمال والعتاد والرجال ، والضغط على حكومة أنقرة لأغلاق الحدود التركية ومراقبتها.

يقول الخبير العسكري والفيلسوف الصيني سون تزو في كتابه « فن الحرب « الذي كتبه في القرن السادس قبل الميلاد أن الأنتصار في المعارك ليس هو النجاح التام الكامل ، لأن الأنتصار الحقيقي هو أن تكسر مقاومة العدو. نقول ذلك لأن المشهد واضح والقتلة واضحون. وكنا نعرف منذ البداية أن النصر الذي حققته سلالة الأنتقام والقتل المجاني في بعض المواقع هو نصر بمثابة الهزيمة لأنه انتصار مؤقت تحقق بالعنف والفوضى والتعصب.

الثابت على أرض الواقع أن سوريا نجحت في كسر موجة الفوضى الهدامة التي انطلقت تحت شعار « الربيع العربي « الذي حمل الينا رياحه السامة على الصعيدين الروحي والفكري ، واذا كانت دمشق قد نجحت في الدفاع عن كرامتها وسيادتها ووحدة اراضيها ، وبعثت بصيصا من الأمل والتفاؤل ، فعلى الأردن أن يعمل على الصعيدين السياسي والعسكري ، ويوظف شبكة علاقاته العربية والدولية الواسعة لتحقيق مصالحه العليا والحفاظ عليها ، والتصدي بقوة لكل ما يهدد امنه واستقراره ، ومواجهة التحديات الكبرى التي تعصف بالمنطقة.