أثبت الدكتور زكي مبارك في كتابه «النثر الفني في القرن الرابع» المناظرة التي تمت بين ابي بكر الخوارزمي وبين بديع الزمان الهمذاني، وكان ابو بكر شيخاً وقوراً من شيوخ الادب والبلاغة فلم يَدُر في خلده ان هذا الفتى الذي يُظهر له ضروب التبجيل ويبسط له بساط التفخيم، سوف يمكر به مكراً كُبّاراً فيمارس معه العاب اللغة دون حقائق المعاني، ويُحرجُ شيخوخته أمام تلامذته ومحبّيه، ويرهقه من امره عُسرا ويكلفه العنت، ويظهره مغلوبا بمنطق الحذلقة والتشادق وإن كان غالبا بمنطق الادب والاخلاق، على نحو يذكرنا بمقولة الامام الشافعي: «ما جادلت عالماً الا غلبته، وما جادلت جاهلاً الا غلبني» ولقد كان بديع الزمان، على الرغم من حركاته المعجبة وبلاغته الفارغة لا يحفل بالمعاني العميقة الكامنة وراء الالفاظ وكان ينظر الى عطفيه عُجبا وهو يفرقع بكلماته كاللبان في فم القينة الغانية، وإن مما لا ينقضي الاستغراب منه ان «الهمذانيين» غالبون في المناصب والدواوين على «الخوارزميين»، وانهم متقلبون فيها بما يرونه نعيماً مقيماً وإن كان في اصلة كُدية «مُهينة» وتملقاً رخيصاً.
قال احد الاذكياء من بقايا مدرسة الجاحظ الذي كانت كتبه تعلم العقل والادب: ان الهمذاني لو ادرك المأمون نفسه لكان لبس عليه واقنعه بان يعهد اليه ببيت الحكمة او ان يُبوأه ما يتمرّغ فيه من بلهنية المناصب المرموقة.
لكن ذكياً آخر، من المدرسة نفسها، قال: إن هذا اذا كان، فهو الى زمن قصير، لا بد ان يخسر بعده الزبد المتعاظم عن الحقيقة المتواضعة، وينقلب السحر على الساحر.
وفي كل حال فقد توالت الانباء بانتصار الهمذاني على الخوارزمي، وبتقدمه وتأخر صاحبه، على نحو ما يقول الطغرائي في لاميته:
تقدمتني اناس كان خطوهم
وراء خطوي إذ امشي على مهل
او على نحو ما يملأ الغُثاء وجه النهر وتغيب الجواهر في قعره، او على اي نحو يبعث على التأمل في احوال العباد واسباب الفساد.
***
ويقول احد خوازميي زماننا تعقيباً على ما تقدم:
- دعني فهذا كله حديث لا طائل وراءه، وهو مجرد نفثة مكروب لا تُقدّم ولا تُؤخر، ناهيك به أسلوباً في التعبير لم يعد احد يُلقي اليه بالاً، وهو إن أرضى ذائقة مفردة مجّته ذوائق جمة.
**
وفي الحق انه يمكن مواجهة ما أُشكل على ذوي الألباب من مسألة غلبة البهرج والزائف على الحقيقي والاصيل بلغة مباشرة تضع أصابعها في الأعين، ولكن هذا الإمكان على صعوبته، محفوف بمخاطر «شخصنة» القضايا، وذلك ما يمنع الحكيم من اتيانه، وما يجعله كظيماً دون بيانه.
**
ثم ان «الشخصنة» هنا تعني التمثل بأشخاصٍ ووقائع على المسائل المطروحة، وهذا مما لا يستطيعه الا أولو العزم من أصحاب المبادئ.
**
قُصارى ما نملكه هنا ان نقول ما قاله الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانت في مثل ما نطرقه من حديث: «إنني لا أقول كل ما أعلم، ولكنني أصدقكم القول حين أقول»..
وللعرب حكمة سبقوا بها حين قالوا: ليس كل ما يُعرف يُقال.
وكم يُغني ظاهر الأحوال عن كل مقال..
لِمن الغلبة؟
10:30 11-2-2017
آخر تعديل :
السبت