ال(جورة)...الحفرة,في عرفنا وفي مساقات تخاطبنا هي مساحة من الأرض كبرت أم صغرت تنخفض تضاريسها,مناسيبها بشكل حاد فجأة عمّا حولها من أرضين..لم تكن الجورة موضوعنا موجودة كجورة...من زمان.كانت قطعة من شاطئ(سيل عمّان).أيام كانت مياهنا تفيض عن حاجتنا فنتركها سيلا ينتفع بخيراته الأهلون الرّاكدون و...الرّكبان.نحن كنّا في منابع السيل والعديدين كانوا..على طول ضفاف مجراه ويتحلّقون حول مصبّه.كان يحكمنا عرف الكرم و تقاليد البداوة...قانون دول المنبع و...المصبّ.عمّان كانت يا سادة قرية /مدينة صغيرة تغفوعلى ضفاف سيلها.كبرت عمّان...عمّها زحف سكانيّ من جميع جهاتها,من البر من البحر و من الجو, من الحضر من البادية والصّحراء.كما العادة,تجمّع الخلق حول أرحام الينابيع و ضفاف السيول و الأنهر طلبا للرزق والكلأ.مما دفع بالمسؤولين في بلديّتها( أحبّ كلمة(بلديّة)...أكثر...فيها رائحة البلد عبق البلاد...بلادي)!!؟.بدأ المسؤولون في(بلدية)عمّان محدودة الموارد آنذاك في دراسة الواقع الجديد...المتجدّد المتغيّر.بدأوا بدراسة المجرى الواقع في وسط القفص الصّدري لعمّان(مجرى السيل)للأستفادة من شريط الأراضي الضيّقة المحيطة بمجراه الذي فرض ما يشكّل شريانا رئيسيا للسير يربط غرب العاصمة بشرقها.يشق طريقه عبرها في واد ضيّق تحيط به الجبال الشاهقة. أجتهدوا... لم يجدوا بدا من سقف مجراه.سقف السيل...وأد...غيّبت عنه عين الشّمس... مكره أخاك..لا بطل.أستبدل جريان الماء و(لعبطة)السّمك الطّفولي الصغير بدربكة المركبات وضجيج البشر.حرث الشّجر وغابات الورد و الياسمين والفلّ,حرثت بساتين الرّمان والمشمش والجوز واللوز وأحواض البقدونس والنعناع والبصل الأخضر.رياض السيل,زرعوها بغابات بتماثيل صامتة بوحوش... من حجر.
موقع الجورة هذا, جورة...عمّان كانت بستانا وبيوتا يقطنها أجدادنا تطلّ على السيل وكان في متناولها,أنشقتّ تمرّدت...أبت ألّا أن تحتفظ وبعد مرور الأعصار بمناسيبها منخفضة قريبا لما خلقها الله,لسبب غير مفهوم.جورة تنخفض عمّا حولها. في حين تمّ رفع منسوب بناء سقف السيل الى وضعه الحالي استجابة لحسابات هندسيّة توخّي فيها مناسيب الجريان وكميات المياه المتدفّقة في أعلى منسوب لها, وقد لحقت كافة الأراضي على ضفّتيه بمنسوب سقف السيل,رفعوا مناسيبها حوانيت ومكاتب وأسواق ومرائيب مركبات... كنت آنذاك شاهدا من أهلها(أمانة العاصمة آنذاك)مهندسا شابا يافعا حديث التّخرّج وللصدفة المحضة قمت بزيارة الى مشروع سقف مجرى السيل للموقع المحاذي(للجورة)..كثيرة هي الأراضي في حيّنا في ربعنا ربّما لو كان في أمكاننا لو أبتعدنا قليلا لأنقذنا جزءا من تاريخنا...سيل يلطّف الحرارة في جوّنا...في أعماقنا,يزيّن جيد عاصمتنا...فتاتنا معشوقتنا...عمّان الجميلة.
الجورة الآن...لا عشب فيها ولا شجر,تطفح بالبشر....يحجّون اليها سعيا وراء كلّ غريب...أثاث من زمن ستّي,مرآة تمارت عليها كهرمانة بنت السلطان,(شازلون)أستلقت عليه الملكة شجرة الدّر, مرأة ببراويز من فضّة من قصر عمرة..او قصر هشام. طاسة من نحاس بنقوش تحمل عبارات التّمني لمن يشرب ماء السيل بالشفاء هنيئا مريئا,مشط من عظام غزال عين غزال كان الجواري يمشّطن به شعر مولاتهنّ ياسمين أبنة شهبندر التّجّار,شلّال من حرير من على شرفة سيل عمّان تشرق عليها شمس عمون.البعض الآخر يبحثون عن جرو عزيز عليهم.. جرى خلف جروة و. أختفيا,ربّما لعلّ وعسى أن يلقونه في قفص هناك... يبحثون عن صندوق من جلد غزال قدّمه فارس مهرا لمهرة عربيّة سمراء من هنا,يحوي ذكريات الأجداد,شبكة الجدّة وعقد الّلؤلؤ,فقده أصحابه...أفتقدوه..أضاعوه. والبعض...البعض الكثير...من بسيطي الحال يذهبون لأقتناء أثاث مستعمل..أو(على قدّ الحال )زهيد الثّمن...يفي بالحاجة...لأيواء العيال.
البعض ممن شغلوا(الجورة)نفض يديه منها بعد أن أصبحت ضيّقة عليه.يبحث عن جورة أكبر في حجم طموحة و...سيلقى ,وأن أختلقت البضاعة.الجورة...ستبقى متنفّسا للكثيرين...ألّا أذا تذكّروها...والله أعلم.لماذا لا نحيي تاريخ عمّان..قرية..دمية صغيرة في جورة عمّان,تحمل عبق التاريخ,قنطرة يجري تحتها سيل يتقافز فيه الصّبية وصغار السّمك...بيت بعقود ومشربيّات وأصص من الفلّ البلدي الياسمين الشامي والسوسن الأسود...رمزنا.قد يرى الأحفاد...كيف عاش الأجداد,يعيشون جزءا من تاريخ مضى في موقع الحقيقة.لا خلف خزائن التاريخ في غرف ومتاحف موصدة مغلقة خانقة محروسة,بلا حياة...بلا أنسان.
mbyaish@gmail.com
الجورة....والسّيل.
11:00 3-2-2017
آخر تعديل :
الجمعة