- كثيراً ما نسمع عن الحوار بفروعه العديدة: الحوار بين اتباع الأديان، حوار الحضارات، الحوار بين الشرق والغرب. فعلى مستوى الأمم و الشعوب أصبح الحوار لغة العصر، فالحوار ضرورة إنسانية وحضارية معاً. قال سقراط الفيلسوف لتلميذ صامت: « تكلّم يا بنيّ.... حتى أراك « أي: كان يقصد بذلك أنّ الحوار يكشف أعماق العقل والقلب. الحوار قبل كل شيء هو إصغاء إلى الآخر و تبادل الآراء معه، وهو حديث بين أطراف قد يتفقون في أشياء، ويختلفون في آخرى، والحوار ليس بالجدل وفرض الرأي على الآخر، إنّما للوصول إلى الهدف المرجو منه وهو مزيد من التعاون والبناء والعطاء، فيجدر أن يكون بعقلٍ منفتح وقلب متسع.
إنّ الحوار كوسيلة اتصال و تلاقح للأفكار، يُساعد الإنسان للوصول إلى كنه الحقائق ويُسهم في أن يكتشف ذاته وقدراته، أي الحوار مع النفس، هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن الحوار الجاد يقوده إلى اكتشاف الآخر في عمق فكره، ويكون هنا بالتحرّر من الأحكام المسبقة التي صورها عن الآخر. ومن سمات الحوار الهادف: الموضوعية، واحترام فكر الآخر ومعتقده وطقوسه وشعائره، دون تجريح أو خوض في جزئيات ومسائل ثانوية جانبية قد تّحرف الحوار عن هدفه المرتُجى كما يقال: « إنّ الأختلاف في الرأي، لا يفسد للودّ قضية «، وهذا قول جميل يصح أن يكون أساساً للأطراف المتحاورة. ذلك إننا كثيراً ما تابعنا حوارات تحولت إلى ضربٍ من الخصومة والعداء. وفي السياق، يقول المهاتما غاندي رسول اللاعنف: « الاختلاف في الرأي ينبغي ألاّ يُودي إلى العداوة، وإلاّ لكنت أنا وزوجتي من ألدّ الأعداء «، وهذا يعني أن الاختلاف ينبغي ألاّ يؤدي إلى النزاع والفُرقة، فالحوار هو فنّ التواصل مع الآخر والعيش معه بسلام. على أساس هذه القناعة، أوضح بطاركة الشرق في رسالتهم الراعويّة الثانية ( 1992) وبشكل واضح معنى الحوار الحقيقي بقولهم: « الحوار موقفٌ روحيّ قبل كلّ شيء يقف فيه المرءُ أمام ربّه محاوراً، فتسمو نفسه ويطهّر قلبه ووجدانه، فينعكس ذلك في نفسه وعلى حواره مع الآخرين أفراد وجماعات. إنّ الحوار روحانيّة تنقلنا من الاستبعاد إلى الاستيعاب، ومن الرفض إلى القبول، ومن التصنيف إلى التفّهم، ومن التشويه إلى الإحترام، ومن الإدانة إلى الرحمة، ومن العداوة إلى الألفة، ومن التنافس إلى التكامل، ومن التناحر إلى التلاقي، ومن الخصومة إلى الأخوّة. ويعني الحوار مع الآخر معرفته والتعرّف عليه والإعتراف به كمكمّل لنا أكثر منه خصماً أو منافساً أو عدواً، وذلك بعيداً عن الأفكار المسبقة من أي نوعٍ كانت والمصالح والأنانيّات. في مثل هذه الأجواء يتحوّل إلى غنىً متبادل من غير أن يتنازل أي من الطرفين عن ذاته أو عن تراثه أو عن شخصيته أو عن كيانه.... «( رقم 47). حيث أضافوا قائلين: « إن الحوار الحكيم الصادق لا خوف فيه على إضعاف هويّة أيّ واحد من أطراف الحوار، لأنّ الحوار لا يدعو أحداً إلى التنكّر لمعتقداته، بل يثّبت المؤمن في إيمانه، ويضعه في تفاعل مع المؤمن الذي يحاوره، حتى يصل كلاهما إلى معرفة ٍ أفضل للذات وللآخر، وحتى يتمكّنا من السير نحو الإتزان المنشود في العلاقات على صعيد الحياة اليوميّة في مجتمعنا التعدّدي، بينما غياب الحوار ينجم عنه بقاء الأفكار المسبقة والجهل المتبادل وازدياد التعصب. وقد يؤدي التعصب إلى العنف، وإلى خلق النزاعات والأزمات في المجتمع «.( الرسالة الراعوية التاسعة رقم 35 )
إذاً يبقى الحوار بكافة جوانبه، أساساً لازدهار الحضارة الإنسانية وكرامة الإنسان من أي منبتٍ كان أو عقيدة أو لون أو جنس. وهذا يدعونا إلى أن نحرص على تعزيز ثقافة الحوار في الأسرة أولاً وفي المدرسة وسائر الحلقات التعليمية، كما يجدر أن تكون نهج حياة في المجتمعات والمؤسسات بكافة مسمّياتها. بهذا نبني جيلاً واعياً، لا مكان فيه للتعصب أو الإنحياز أو الإقصائية، بل تغلبُ عليه روح المحبة والوئام، المحبة التي أرادها البابا القديس يوحنا بولس الثاني: اسماً جديداً للحوار البّناء الذي غايته كرامة الإنسان وحقوقه.
Email: fr.nader92@yahoo.com
الحوار: الاسم الجديد للمحبة
12:00 28-1-2017
آخر تعديل :
السبت