كتاب

السادةُ الخُبراء

قُصارى ما يملكه المحلل السياسي الذكي الذي يحفظ درسه جيدا ان يتابع الفضائيات، وان يشكل رؤية منتزعة الاجزاء والحيثيات مما سمع او شاهد. وهو في كل حال عالة على ما التقطه من متناثر الاخبار والتعليقات، فهو يدور في فلكها ولا يمكن ان يغادره بحال.

ما من مصدر آخر للمعلومات «الطازجة» التي تنفع طائفة المعلقين سوى ما يمكن تتبعه في هذه المصادر, فهي بضاعة مزجاة يمكن لمن يتقن التعامل معها او فبركتها ان يدّعي في العلم فلسفة على حد أبي نواس وان كانت قد غابت عنه حقائق الاشياء، وعميت عليه مصادرها ومواردها.

من اجل ذلك تغلبت «اللهوجة» على كثير مما نقرأُ من ألوان اللهاث خلف الاحداث.

ومن اجل ذلك يمكن للمتابع المدقق ان يرى الى تناقض احكام الكاتبين في مدى الأيام القليلة التي تتراخى بين مقالة وأُخرى.

ومن اجل ذلك يعمد بعضهم الى الافادة من مهاراته في تلبيس الطواقي وانتحال الاطاريح والتعويل السهل على جملة من المصطلحات الرائجة في وسائل الاعلام، الى شيء من الدروشة الايديولوجية او التنفج المعرفي.

ومع ازدحام المتفلسفة في اكتناه الاحداث دون استيقان خبر صادق او معلومة موثوق بها، فان حصيلة ذلك مزيد حيرة لمن يطلب فهما مقاربا او حكما صائبا، ومزيد بلبلة وغموض.

وفي الوقت الذي يعجز فيه احدهم عن ادراك ما يجري في حيه او في مدينته وبين ظهراني اهله، فانه يزعم الاحاطة – مثلا – بأسرار السياسة الصينية او بما يتهامس به موظفو البيت الابيض، او بما يدور في قصر الاليزيه او في الكرملين من مناقشات!.

ان ثمة اطمئناناً قصير النظر يركن اليه هؤلاء «الدون كيشوتيون» بان لا احد يقرأ بروح ناقدة هذا الذي يسودون به انهار الصحف وانهم في مأمن من ان يعقّب عليهم معقّب او ان يتناول كلامهم بالنقض او بالتفنيد.

انهم «السادة الخبراء» في الجمع الذاهل على نحو ما يرون انفسهم، وان في الناس من يوافق لسان حاله دعواهم هذه، ومن يهيء لها شرطها الموضوعي وبيئتها الحاضنة، فهي، اذن، «طعة وقايمة» كما يقول مثلنا العامي، يملك من يشاءُ فيها ان يدّعي ما يشاء، وللعيارين والشُطّار فيها قصب السبق، بل انهم «يلحنون ويربحون» ويُفسح لهم، ويمكنون، ويدفعون بعُملتهم الزائفة الرائجة كل جوهر نفيس ولا يرعوون.

كلام جميل، تفصيله مُحرج على ضرورته ووجوبه اخلاقيا ومعرفيا وبكل مقياس، وهو مُجزئ في مقامه وان كان كظيما.