كتاب

الرقصة الأولى في البيت الأبيض !

انتهى عرض تنصيب الرئيس الأميركي الجديد ترامب بالرقصة الأولى التي اداها مع زوجته على وقع اغنية لفرانك سيناترا بعنوان « بطريقتي « ، وذلك في احتفال كبير بالبيت الأبيض. ولكن الثابت ان العرض المسرحي مستمر ولن يتوقف بالنسبة للرئيس ترامب وبرنامجه ، فيبدو أن له طريقته الخاصة في الحكم أيضا ، فقد وقّع أول قراراته ضد برنامج اوباما للتامين الصحي بطريقة استعراضية مسرحية ، وبوجود أفراد عائلته ومجموعة من الحضور في المكتب البيضاوي.

هناك قول شعبي يعبرعن مثل هذه الحالة وهو « أول الرقص حنجلة «. والحقيقة أن الرئيس ترامب ، بدأ أول الرقص منذ ظهوره على شرفة مبنى الكابيتول ، حين أقسم اليمين ، وألقى خطابه الموجه لناخبيه وجمهوره من اليمين المحافظ المتطرف ، وليس للعالم الذي انتظر اللحظة ، فجاء الخطاب وكأنه البلاغ « رقم واحد « في الأنقلابات العسكرية ، خصوصا عندما اعلن نقل السلطة من واشنطن الى الشعب ، وهي عبارة ثورية لم يسمعها الأميركيون من قبل.

ترامب بشّر انصاره ، عبر خطابه الغاضب المدوي ، اصراره على اعادة اميركا القوية العظيمة ، ورفع شعار « أميركا أولا « ، وقال أن الولايات المتحدة كانت تهدر اموالها بارسال جيوشها الى الخارج لحماية الحلفاء بلا مقابل ، وأكد أن عهد الكلام الفارغ قد انتهى ، كما أعلن عن تصميمه بناء الجدران على الحدود مع جيرانه ، أي أنه بمجمل أقواله وأفعاله ، يقود اميركا الى عزلة غير مسبوقة ، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى اليوم.

في حفل التنصيب ، كما في حملته الأنتخابية ، أثبت الرئيس ترامب أنه يختلف عن سابقيه من الرؤساء ، من الحزبين الجمهوري والديمقراطي معا ، في مزاجه وطرازه وفكره ونهجه وتطلعاته ، وهذا يؤكد أن الولايات المتحدة دخلت مرحلة التغيير الحقيقي ، على الصعيدين الداخلي والخارجي ، ولكننا لا نستطيع التكهن بان هذا التغيير سيكون نحو الأفضل أو نحو الأسوأ ، لأن في داخل أميركا وخارجها ، لا أحد يستطيع معرفة ردود فعله تجاه أي قضية ، أو مسألة ، خصوصا أنه دخل في حرب مفتوحة مع الأعلام ، اضافة الى الأنقسام الذي حدث في الشارع الأميركي.

هذا المشهد دفع بالكثيرين الى الأعتقاد بأن ما حدث ويحدث في الولايات المتحدة هو أقرب الى الأنقلاب الأبيض في البيت الأبيض. لذلك نرى أن معظم الدول الحليفة لواشنطن تضع يدها على قلبها ، وفي مقدمتها دول الأتحاد الأوروبي ، حيث جاءت المبادرة الأولى من ألمانيا فكانت أول دولة قرعت الجرس ، حين أعلنت انها تتوقع اوقاتا صعبة في عهد ترامب ، وطالبت دول الأتحاد الأوروبي التنسيق بينها للدفاع عن مصالحها في مواجهة واشنطن.

واذا كانت الأدارة الأميركية الجديدة ، بقيادة الرئيس ترامب ، تضع حسابات الربح والخسارة في علاقاتها مع الدول ، فهذا يعني أن على الدول العربية ان تعيد حساباتها أيضا ، وتتحرر من قيود العلاقة مع واشنطن وتضع مصالحها أولا ، وأن تسترد قراراتها السيادية ، واعادة نسج علاقاتها الخارجية من جديد وحسب مصالحها العليا.

واذا فتح ترامب ملفات الماضي القريب ، والحاضر الراهن ، بالنسبة للشرق الأوسط ، سيجد أن الولايات المتحدة مسؤولة عن تدمير دول عربية عديدة ، منذ احتلال العراق حتى اليوم ، كما انها مسؤولة عن تخريب اقتصاديات الدول العربية ونهب ثرواتها، ولا ندري حتى الآن الى أين ستقودنا الأدارة الأميركية الجديدة ، لأن الرئيس ترامب طمس القضايا المهمة بكلماته الغاضبة في حفل التنصيب ، وتحدث عن حربه ضد ما سماه « الأرهاب الأسلامي « ، دون أن يميز ، أو يفرّق ، بين الأرهاب السياسي الذي تمارسه التنظيمات الأسلامية المتطرفة وبين الأسلام كعقيدة ودين.

في النهاية نقول أن الواقع الجديد يضع الأمة امام الجدار ، وأمام مسؤولياتها التاريخية في هذه المرحلة الصعبة ، وعلى الدول العربية ان تعيد حساباتها ، حتى لواضطرالبعض الى اسكات المدافع ، والتخلي عن حالة الأقتتال القبلي العبثي المغلف بالألتباس والغموض ، وبالتالي اللجوء الى الحوار من أجل المصالحة والمسامحة والمصافحة في كل الجبهات المفتوحة ، واعادة ترتيب البيت العربي من جديد كي لا نخرج من التاريخ والجغرافيا معا.