هي لحظات تاريخية كان للمجاهد العربي الاستاذ جميل شاكر رحمه الله فضل تسجيلها في مقالة له باسم «فتى الجزيرة» تحت عنوان «صفحة خالدة من حياة المنقذ الأعظم»، ضمها المجلد الثاني من كتاب: «سيرة منفيّة» الذي أصدرته جامعة البتراء عام (2001م) مشتملاً على مجموعة من أوراق الدكتور محمد صبحي ابو غنيمة السياسية والعلمية والأدبية.
ولقد سُررت أيّما سرور بالوقوع على هذه المقالة للاستاذ المجاهد جميل شاكر فهو مدير مدرستي (عمان الابتدائية) في المحطة منتصف الخمسينيات من القرن العشرين ووالد زميليّ مسعود وأحمد، ووالد استاذي «نشأت جميل شاكر» صاحب كتاب «عبيد الحق أحرار» الذي تكلم فيه بحميمية عن ثورة الجزائر، ولطالما كنت اختلف الى منزله في «الهاشمي الشمالي» مع ابنه مسعود، وأرى الى صورته الجليلة على الحائط، فكأنها أمامي الآن اتوسّمها بعد مرور اكثر من ستين عاماً، رحمه الله كفاءة ما جاهد وقدّم لأمته.
يقول رحمه الله انه يوجز في مقالته ما شاهدته عيناه وسمعته أذناه حينما مرّ على العقبة عام (1925م) في طريقه الى الحجاز، وذلك بمناسبة استشهاد شقيقه في اوائل آذار من ذلك العام، حيث كان المنقذ الأعظم قد حل ركابه العالي فيها ليتفقد شؤونها، «فبادرتُ للثْم يده وأبلغته تحيات وتمنيات معظم زعماء الشعب السوري وتعلّقهم بأهداب آل البيت الهاشمي، فأظهر لي سروره وارتياحه وتعلّقهم من الله التوفيق والخير لأمته».
ويقول الاستاذ جميل شاكر انه نزل وعارف باشا الحَسَن ضيفيْن على جلالته، وأقاما في المخيم المجاور لصيوانه، وانه حظي بصحبته في رحلة قصيرة غرب شمال خليج العقبة لرؤية المعادن النحاسية هناك، حيث قال الشريف الحسين له وللدكتور خيري بك القباني الذي شاركهما الرحلة: «لقد تنازلت عن عرشي ومُلكي دون أن أوافق على تسليم شبر من بلاد سورية التي هي بلادكم، وها إنكم تشاهدون معادنها الظاهرة عدا كنوزها المدفونة والآثار القومية التي هي من مفاخر اجدادكم، وقد تركوها وديعة للأبناء والأحفاد».
ثم يذكر الاستاذ جميل شاكر ما كان بعد ذلك مما لا ينبغي لأجيال امتنا نسيانه حيث يقول: «لقد فوجئنا بمجيئ الباخرة البريطانية المسماة (قورن فلاور) تحمل إنذار حكومتها لجلالته، بوجوب مغادرته العقبة خلال ثلاثة أسابيع.
وما كاد قائد الباخرة ان يبلغه الانذار بواسطة ترجمانه حتى تهيجت اعصابه وحسر الكوفية والعقال عن رأسه، وقال له بكل إباء وشمم: «بلّغ حكومتك بأني لا أُنْذَرُ ها هنا ولو أهلكتني مع عائلتي في خليج العقبة.. إنني أٌقيم في احدى قرى بلادي فلا لايحق لأحد التدخل في شؤوني».
ثم توالت الأحداث الجسام بعد ذلك، وكان ما كان من أمر مرض الشريف وعودته الى عمان من قبرص، ووفاته – طيّب الله ثراه – ثم دفنه في المسجد الأٌقصى، تقديراً لجهاده ودفاعه عن الأرض المقدسة (ورفضه التفريط بشبر واحد منها)، ومبرّاته الكثيرة لعمارة أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.
لقد أصيبت الأمة «بأبي ملوكها وأمرائها» الذي كان يحمل بين جنبيه آمالها وآلامها، بعد ان تآمر الحلفاء على الغدر به وبالعرب (ولا كغدر العقرب كما يقول الاستاذ شاكر)، لكنّه الى ان فارق هذه الدنيا الى الرفيق الأعلى مع الشهداء من آل بيت النبوة الكرام ظلّ مشغول البال بأمته.
يقول الاستاذ شاكر: «كانت وصاياه – طيّب الله ثراه في اكناف بيت المقدس – للوفود التي كانت تفِدُ الى عيادته في قصر رغدان، ان يحققوا (الاتحاد الذي هو ركن الاستقلال وعماد حياة البلاد)، وان خير ما نختم به هنا هو ما ختم به المجاهد جميل شاكر مقالته القيمة حيث وجه كلامه الى باعث نهضة العرب الحديثة وشهيدها قائلاً:
«سلامُ الله عليك يا أبا علي ورحمته وبركاته، طبت حياً وميتاً، وفي ذمة التاريخ بطولتك وجهادك وثباتك ونضالك، فسيردد ذكرى نهضتك الأبناء والأحفاد جيلاً بعد جيل، وسيتممون ما بدأت به، ويبنون على ما أسست.. سلام الله عليك».
***
يظل لي ان اقول إن حياة الشريف الحسين بن علي لم تُكتب بعدُ الكتابة العلمية الشاملة، على كثرة من كتبوا عنه، وإنّ على الاكاديميين العرب والتربويين ان يقوموا بواجبهم إزاء سيرته المعطرة وجهاده العظيم، وحبذا لو ننشئ، نحن الأردنيين، مركزاً خاصاً بدراسات النهضة العربية التي ابتعثها الشريف الهاشمي، وان يكون أول ما ندرسه من ذلك مواقفه وتضحياته وما نتنوّره فيها من قيم وأخلاق حسان ومروءات..
الشريف الحسين بن علي ولحظات تختصر تاريخاً
11:00 21-1-2017
آخر تعديل :
السبت