كتاب

التعايش.. سبب سعادة الأُممِ

في رحلةٍ ماتعةٍ إلى بلاد الشمال الأقصى من أوروبا، حيث كنت ضمن وفد من الدعاة (المدعوّوين) ضيوفًا، من وزارة الأوقاف، لزيارة الدنمارك على نفقة إحدى منظمات المجتمع المحلّي هناك، للاطلاع على عدة مبادارت إنسانية ودعوية إسلامية، وكلّ الزيارات الاثني عشر التي قمنا بها كانت تنصبّ جهود القائمين عليها على منع الجريمة والتطرّف بين أبناء الأقليات، المسلمة والعربية تحديدًا، مستخدمين قاعات الجلوس ولعبة كرة القدم لجمع شباب الأقليات هناك.

المطّلع على جهود الدنمارك الوقائية يستشعر بُعد النظر عندهم، ومع كلّ ذلك هم بحاجةٍ إلى خبرات الدعاة من العالم الإسلامي لمعرفتهم بقوة التأثير الإيجابي على الأقليات المسلمة هناك.

وجاءت لهذه الزيارة أبعادٌ لم تتجاوز حدودَ البرنامج الذي تضمّن الاطلاع على جهود القائمين على الدعوة كما هو الحال لمسجد في أكبر مستشفيات الدنمارك، حيث استقبلنا الإمام/ نَفيد (من أصل باكستاني)، وأطلَعنا على جهوده في دعوة المرضى من ذوي الحالات الصعبة وتسكين آلامهم بالكلمة الطيبة، ومسجد المنهاج وجهوده في تحفيظ القرآن الكريم.

ومما لفت انتباهي , ذلك التعايش بين أفراد الشعب بطريقةٍ سلسةٍ واثقةٍ، فقد كنت ألبس اللباس العربي الإسلامي، ومع ذلك لم أشعر بأيّ انتقادٍ كان، بل كنت أتلقى ترحيبًا لذلك، مما دعاني إلى البحث عن سبب سعادتهم ونحن الذين أحقّ بها من غيرنا، فنحن سعداء بإيماننا وأمننا وأماننا، غبر أنّ الهدوء والتزام الطريق وإعطاء كلّ ذي حقّ حقه، وانتشار العلاج والتدريس المَجّانِيَّيْن والمواصلات الميسّرة وشبه المجانية، ودعم كلّ مبادرة إنسانية مهما كان توجهها، وإذا أضفنا إلى ذلك قلة ساعات العمل حيث يُمنع تجاوز (37) ساعة عمل أسبوعيًّا.

وبعضُ هذه الأمور تتمكن منها الدولة الغنية القادرة على الإنفاق، وبعضها هي من لوازم الثقافة والوعي والتربية التي هي من شأن الشعوب والمصلحين فيها. لقد جاءت زيارتنا تلبيةً لدعوةٍ وتأديةٍ لدعوة، فقد استطعنا بفضل الله تعالى ثمّ بفضلِ ما آتانا الله به من علمٍ – أعني نفسي وعموم الوفد – أنْ نقدم الصورة الحسنة عن الإسلامِ وعن الأردنّ من خلال الحوار العلمي وإبداء الرأي بكل قوة وشفافية، وكانت تجربة مفيدة يمكننا الحديث عنها من غير مواربةٍ.

كما أننا على يقين أنّ هناك بعض المتربصين غير المجيدين للرؤية الصحيحة وغير المجدّين في البحث عن الطريق الصعب لإيصال رسالة الإسلام الصحيحة، وأعني بالصعب هنا تلك الانسدادات التي حصلت بعد الرسوم المسيئة عن سيدنا محمد صلوات ربي وسلامه عليه، ولكنني بعد دراسة بسيطة ورؤية واضحة تبيّن أنّ الزيارة مع وفد الوزارة قد تكون بصمة دعوية ذات طابع إسلامي وإنساني، وهذا الذي حصل وليس غيره حصل، كيف لا ونحن نعيش في بلدٍ تعلمنا فيه الثقةَ بالنفس وتجاوز شوك وعقبات الوهم التي يجيد البعض تعمّد زرعها في طريق الدعوة إلى الله من خلال الطعونات المتعددة. وقد حصدنا ثمرةً معنويّةً يانعةً من الزيارة نلتمس فيها الأجرَ من الله تعالى، وذلك لأسباب منها:

أولًا: وأكرمني الله عزّ وجلّ بإلقاء خطبة الجمعة في مسجد النور في كوبنهاغن وهو مسجد يقوم عليه الأردنيون ويدفعون أجرة الموقع شهريًّا قرابة (أربعة آلاف دينار أردني). وذلكم هي الرسالة الإسلامية بأسمى معانيها.

ثانيًا: زيارة العديد من المساجد والتعرف على همومها واهتماماتها وطموحاتها وطرق نشاطاتها وارتباطها في المجتمع المحلّي.

ثالثًا: زيارة البيت الأردني الذي تقوم عليه الجالية الأردنية المحترمة هناك والذين يعطون الصورةَ الحسنة عن بلدهم الأردن مع انتمائهم لجنسيتهم الدنماركية التي يحملونها، وقد حمّلونا شيئًا من أمنياتهم التي يتمنون تحقيقها لهم لبقاء المظلة الوطنية في حمل همومهم وحملونا كثيرًا كثيرًا من السلامات للأردنّ (ملكًا وحكومةً وشعبًا). فقد شعروا أننا نزلنا إليهم كالغيث من سماء المحبة والحنين والشوق.

الدنمارك واحدة من أسعد البلدان في العالم حسب مقاييس محددة، ومع يقيننا أننا بثوابتنا وبإيماننا سعداء، إلا أننا نقرّ لهم باهتمامهم بجوانب حياتية، كالتعايش بروح الإخاء والإنسانية، وديننا يدعو للتعايش لا للتنابذ ولا لكيل الاتهامات للآخرين وينبذ العصبية والأحادية، وبعد الزيارة والتجربة والتي لا يمكننا الحديث عن كافة جوانبها في مقال واحد، ولكن هي إشارةٌ لكلّ مَنْ يمنع التواصل مع العالم لسبب أو لآخر ينبغي علينا أن نتذكر جميعًا بأنّ إسلامنا أرقى من أنْ يرشق مدادُ القلم أو منبوذُ الكلِم بياضَ القلوب التي تحاولُ إيصالَ الرسالة إلى سعداء العالَم ليسعدوا بها.

وفي الختام: عندما نحاول إسعادَ الآخرين نكون محققين لأسمى معاني الحياة، ومن أسباب إسعاد الشعوب أن نعرف ما يمكننا فعلُه وأن نترك أن يهرف أحدنا بما لا يعرف. ولنبدأ بزمام المبادرة لفعل الخير لا غير.