«الليبراليون الجدد» أساءوا إلى مصطلح الليبرالية حين زعموا أن الناس غير متساوين بالطبيعة.
وعليه ففقرهم هو حظهم في هذه الدنيا والذي سببه كما يزعمون عجزهم عن اللحاق بالأقوياء والموهوبين.
مارجريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانية الراحلة والمتحدثة باسم الليبرالية الجديدة تقول: «مهمتنا بلوغ المجد في سياق اللامساواة وأن نرى كيف أن المواهب والقدرات تجد متنفساً وتعبيراً لها من أجل فائدة الجميع. لا تعبأ بالمتخلفين في ماراثون المنافسة. الناس غير متساوين بالطبيعة، وهذا خير. لا فضل للضعفاء ذوي الحظ السيء في التعليم، ومن ثم فإن ما يصيبهم يستحقونه لأن الخطأ خطأهم وليس خطأ المجتمع».
«بعيداً عن اليسار واليمين» ص39
تأليف: انطوني جيدنز
ترجمة: شوقي جلال
سلسلة عالم المعرفة (الكويت)
هذه هي قيم الليبرالية الجديدة التي مع الأسف بات كثير من مثقفينا العرب الغارقين في حب الرأسمالية يعشقونها طمعاً في بركاتها!
ومعروف أن انطوني جيدنز كان مستشار الرئيس الأمريكي كلينتون ومن ثم المعلم الروحي لبلير رئيس وزراء بريطانيا السابق.
إذن على الفقراء في العالم أن يلوموا أنفسهم لفقرهم وليس النظام الرأسمالي الذي استغل عرقهم ثم لفظهم لفظ النواة.
انطوني جيدنز في كتابه السابق الذكر منظّر بارع للرأسمالية رافض لليسار وللاشتراكية بكل ألوانها.
جيدنز يستخدم اللحن نفسه الذي استخدمته تاتشر حين زعمت أن الفقير عليه أن يلوم نفسه لأنه مُتعطّل من تلقاء نفسه لا يريد أن يغامر فيصيب النجاح.
بمعنى آخر فإنه ينفي عن النظام الرأسمالي أية تهمة.
كتاب «بعيداً عن اليسار واليمين»–وكما لاحظ مترجمه شوقي جلال – يتبنى طريقاً ثالثاً يوهم القارئ أنه يمثل «سبيل الخلاص» للبشرية وان كان الواقع لا يشير إلى ذلك فأزمة البشرية وهمّها الكبير لا يمكن حلّها بالتنظير الذي لا يعالج جذورها، وهي جذور صراع طبقي يحاول جيدنز كغيره من أنصار «الليبرالية الجديدة» التهوين من أمره معتمدين على أن فقر الفقراء مبرّر لأنهم عاجزون عن اللحاق بالأغنياء الذي يتمتعون بالنشاط والقدرة على الظفر بطموحاتهم.
يدافع مؤلف الكتاب عن «العولمة» كما تراها «الليبرالية الجديدة» وأنصارها من المثقفين الذين في النهاية هم مساندون للنظم الرأسمالية.
جيدنز في كتابه متخوّف من «المجتمع المدني» الذي – على حد قوله – «قد يشجع على تفجّر النزعات الأصولية المقترنة بتزايد احتمالات العنف» المرجع السابق ص161.
يحدثنا المؤلف عن «نموذج تجديدي عن المساواة» يؤدي إلى تبنّي «ميثاق جديد بين الغني والفقير. وحريّ أن يكون هذا الميثاق جهداً تفاوضياً مؤسساً على تغيير أسلوب الحياة» ص237.
بعبارة أخرى فإنه يبرّر «الطبقيّة» وان حاول ذكر بعض مخاطرها.
«لقد هاجم الليبراليون الجدد بقوة الأشكال التقليدية للامتيازات أكثر مما فعل الاشتراكيون المعاصرون» ص300.
من قال هذا ؟
في تصوري أن المؤلف مُراوغ بارع. أحياناً يبدو وكأنه متعاطف مع الفقراء ولكنه في النهاية مُدافع عن الرأسماليين.
انه يتحدث عما أسماه « الرفَاه الإيجابي» ولا أدري كيف يكون الرفاه إيجابياً دون حل مشكلة «الفقر» ودون القضاء على «الاستغلال».
أسمعه يقول «إن الاشتراكية التي ظنت أنها ستدفن الرأسمالية دفنتها الرأسمالية التي أصبحت هي المطلق ولا بديل عنها» المرجع السابق ص44.
قلت وقال غيري أن جيدنز منظّر بارع للرأسمالية، فهو مثلاً في حديثه عن «العنف الاجتماعي» في العالم يجعله في أغلب الأحيان نتيجة صدام المصالح والصراع من أجل السلطة متجاهلاً أنه غالباً ما يكون نتيجة تجاهل «المسحوقين» الذين لا تتوفر لهم لقمة العيش.
يبقى أن أقول إن «الطريق الثالث» الذي يدعو له هذا الكاتب ما هو إلا طريق يضفي القداسة على النظام الرأسمالي.