كانت حياة الامام محمد ابو زهرة حافلة بالانجازات الفكرية العظيمة, ولا سيما كتاباه: «خاتم النبيين» و»المعجزة الكبرى: القرآن الكريم» ومجموعة كتبه عن ائمة الاسلام: ابي حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل والامام زيد وابن تيمية وابن حزم والامام الصادق.
وكان لهذا الامام الفذ كتب اخرى لا تقل اهمية عما سبق ذكره مثل كتبه: مقارنات الاديان, محاضرات في النصرانية وتاريخ الجدل, وعلم اصول الفقه والوحدة الاسلامية وغيرها.
ويمكن القول ان الامام محمد ابو زهرة كان مدرسة قائمة بذاتها وان بصيرته كانت نافذة وعلمه كان غزيراً, وانه ظل مشرع القلم في بيان حقائق الاسلام الى ان اختاره الله سبحانه الى جواره.
واذ نقرر هنا فإننا نتخذه مدخلا الى الاطلاع على جانب من معاناة هذا العلم البارز من اعلام مجتهدي الاسلام في العصر الحديث اثناء تأليفه لكتابه العظيم «المعجزة الكبرى: القرآن» فقد بدأ ذلك بانقطاعه عن الاتصال بالصحف السيارة يخاطب المسلمين من فوق منابرها, وانقطاعه عن المجلات العلمية يوجه الفكر الاسلامي عن طريقها, وانقطاعه عن كل طرق الاعلام فلا يصل اليها, وانقطاعه – وكان ذلك هماً كبيراً عنده – عن الدروس والمحاضرات العامة التي كان يلقيها.
كان ذلك تفرغاً تاماً من الامام وتوحداً لم يؤنسه فيه الا القرآن الذي كان عزاء لنفسه وروحاً لها ونعيماً.. وما ان شرع الامام في تأليف كتابه حتى اختبره الله تعالى بالمرض كما اختبر نبيه ايوب, فلبث قعيده شهرين متتابعين, حيث كان ألم الابتعاد عن القرآن عنده اكبر من الم المرض الممض, ثم منّ الله عليه بالشفاء فخرج من الداء العقام, وما منعته وعثاء المرض عن كتاب الله ودراسته, فأخذ يقبس من نوره ويعبق من عرفه, اذ هو - كما يقول في مقدمة «المعجزة الكبرى» انس المستوحش وسمير الغريب, حتى اذا مضى في الكتابة قليلاً اختبره الله تعالى بهم واصب بأن اصاب رفيقة حياته كسر اقعدها واقعده بالغم الشديد والكرب الفادح, الامر الذي لم يكشف غمته عنده الا مزيد عكوفه على ما هو فيه من حديث القرآن الكريم, من حيث نزوله, وكتابته, وجمعه, واعجازه, وجدله, وعلومه وتفسيره وغير ذلك من المباحث العلمية المتعلقة به.
لقد جاء كتاب «المعجزة الكبرى» للامام محمد ابو زهرة جامعاً مانعاً شاملاً محيطاً. وجاء كأنما كتبه لدحض مزاعم دهاقنة الاستشراق الاستعماري حول القرآن وتخرصاتهم, ومن يلهث في غبارهم امثال محمد اركون ومن ينعق في اثره من تابعيه ومضاهئيه..
وإن مما يؤكده هذا الكتاب ان البحث العلمي الموضوعي في حقائق الاسلام, وأول ذلك القرآن والسنة المشرّفة, هو وحده الكفيل بتجلية عظمة هذا الدين وبالغ حاجة البشرية اليه. وأن معطيات هذا البحث الذي نذر له عباقرة الاسلام حيواتهم (واهل مكة ادرى بشعابها) جديرة بدفع شبهات المستشرقين ومن أخذ بعماياتهم من جهلة العرب والمسلمين.
وإذ نتبين هنا اهمية الكتاب وفضل مؤلفه رحمه الله, فإننا ندعو ذوي الالباب الى مائدته, مؤكدين وفرة اطايبه ومحاسنه. وكيف لا وهو ثمرة اقتطفها صاحبها في ظلال القرآن الذي لا تنقضي عجائبه, ولا يبلى جديده, ولا ينفك نوراً مبيناً للعالمين؟
المعجزة الكبرى
12:00 15-1-2017
آخر تعديل :
الأحد