نقد الفكر التراثي والانحياز للتنوير
10:45 13-1-2017
آخر تعديل :
الجمعة
يتألف الإصدار الأخير للباحث د.سليمان الطراونة والمعنون «أسفار هيكل سليمان بن داود» من مجلَّدَين ضخمين يزيد عدد صفحاتهما عن 1060 صفحة، يقسم المؤلف منهما إلى قسمين: أولهما يطرح به رؤيته ومقولاته الأساسية التي بنى عليها خطاب الكتاب، وثانيهما حوارات ومراجعات مع المصادر والمراجع والنظريات ذات العلاقة بمقولات الكتاب التأسيسية.
هذا الكتاب جريءٌ في طروحاته وعميقٌ في تحليلاتهِ وكثيفٌ في مراجعهِ التي تنمُّ عن اطِّلاعٍ واسعٍ وعميقٍ على الموروث الثقافي الاسلامي وكتبه المؤسِّسة وعلى الموروثينِ اليهودي والمسيحي بعهدهما القديم والجديد وبكثير من السرديات والتفسيرات المرتبطة بهذين التراثين كالتلمود البابلي والفلسطيني والهاجادا والأناجيل غير المعترف بها كنسياً. كذلك كان الباحث ملمَّاً بالكتابات المعاصرة ذات العلاقة باليهودية ومؤسَّساتها ومناخاتها الأسطورية والأبحاث الاركيولوجية التي استند إليها ليؤكد طروحاته التأسيسية في الكتاب.
في المجلَّد الأول والذي يحمل عنواناً فرعياً هو «هيكل العائلة المالكة للعالمين بمنظور العهد القديم والقرآن الكريم» والذي يقع في 648 صفحة، طوَّف الباحث في السردية التوراتية التناخية وتفسيراتها وتوابعها وكذلك في السردية الإسلامية من القرآن الكريم والسنَّة النبوية وكتب التراث والأبحاث المعاصرة التاريخية والاركيولوجية ذات الصلة ليُثبتَ مقولاته التأسيسية في هذا المجلد، ومنها:
- يؤكد الباحث في مقولته الثانية التأسيسية أن بني إسرائيل هم قبائلُ كنعانية أو هم من بدو الكنعانيين وأنه لا أصل آراميّاً لهم، وأن يهوه إلهٌ مديانيٌّ من آلهة الكنعانيين وليس إلهاً خاصاً ببني إسرائيل (وهذا ما يذهب إليه فرويد في كتابه «موسى والتوحيد»)، وأن قصة إبراهيم الخليل هي قصةٌ وعظيةٌ أسطوريةٌ وُلدت في فترة كتابة التوراة في السبي البابلي في القرنين الخامس والرابع قبل الميلاد. ويؤكد الباحث في مقولته هذه أن آباءَ إسرائيل التوراتيين ليسوا أكثر من أشباحٍ سرديةٍ أسطوريةٍ وُلدت في السبي البابلي وأنه لا إثبات أركيولوجياً آثارياً وأنه لم يرد في أيٍّ من الحوليات والنقوش البابلية والأشورية والفرعونية ما يدلُّ على تاريخٍ حقيقيٍّ للنبي موسى ويوشع بن نون أو ما يدلُّ على أنه كان هناك دخولٌ لمصر أو أنه كان هناك خروجٌ ملحميٌّ أسطوريٌّ من مصر ودخولٌ دمويٌّ لفلسطين على يد يوشع بن نون كالذي تسرده التوراة، ويبين الباحث أن القصة كلَّها مختلقةٌ أسطورياً لخلق تاريخٍ مفترضٍ بطوليٍّ لليهود في شتاتهم.
- وهناك مقولة تأسيسية مهمة تتعلَّق برؤية الباحث حول العلائق السردية بين التوراة والقرآن الكريم وأن الإسلام هو الابن الأقرب لليهودية بحيث تبنَّت السردية القصصية القرآنية مجملَ السردية التوراتية بعد أن هذَّبتها وأزالت منها ما يشوه صور الأنبياء، وهذا هو الجسر الذي ربط بين السردية القرآنية والسردية التوراتية بحيث أصبحت السردية التوراتية المكتوبة من أحبار اليهود تمتلك قدسية إسلاميةً أعطتها قوَّةً في الصمود والانتشار.
يقول الباحث إن الإسلام بارتكازه على إرثٍ ابراهيميٍّ ابتلع الرموز والمقدسات والتشريعات اليهودية استناداً إلى أن الدين عند الله الإسلام قبل الزمان وقبل المكان- أي لا تاريخانية الإسلام الهاضم لما سبق من إرث الديانات التوحيدية الثلاث. ولكن الباحث يستدرك هنا ليقول إن الواقع الفعلي تمثَّل في أن السردية التوراتية الأسطورية هي التي ابتلعت الإسلام وحمَّلته أساطيرها التناخية التي لا سند لها في التاريخ وفي الجغرافيا، لذلك يرى أن على المفكرين المسلمين العمل بوعي لتخليص السردية الإسلامية القرآنية من أسر التناخ عبر اعتماد لاتاريخانية القصص القرآني وأنه جاء للموعظة فقط بخلاف ما تصرُّ عليه كتب التراث والتفاسير والأحاديث النبوية، وهذا طرحٌ جريءٌ وخطير.
هذه المقولات التأسيسية المثيرة للجدل قال بها أو طرحَ بعضَها عددٌ كبيرٌ من الباحثين الأركيولوجيين والمؤرخين واللاهوتيين بصيغٍ جزئيةٍ ومختلفة، وميزة هذا الكتاب للباحث د.سليمان الطراونة الذي يكثر فيه التكرار للمقولات التأسيسية، أنه ركَّز الضوء بشكلٍ مباشرٍ على مقولاته متحدياً كثيراً من العقبات التي ترفض مجرد الحوار حول هذه المقولات.
يقول الباحث: «السردية التي ستكون منطلقَ هذا الكتاب ومآله ومحورَه ومخططَ مساره هي السردية العربية الإسلامية الخفية والمتخفية أو المخفية قصداً حول الهيكل في القرآن الكريم وسيرة الرسول الكريم والسنَّة النبوية وتاريخ الصحابة الأجلاء والتابعين أقوالهم وأفعالهم، والتفسير القرآني بتلاوينه ومدارسه كافةً، والتاريخ العربي الإسلامي والقصص والحكايات والملاحم بمنظورٍ نقديٍّ تفسيريٍّ هيرمانتيكي تفكيكي تأويلي تركيبي حول نقطةٍ جوهريةٍ إشكاليةٍ خلافيةٍ متفجرة: هل كانت صناعة أصل قداسة القدس وما حولها أولاً، وهيكل سليمان بن داوود المفترض وما يتصل به وما توالد عنه وعبره إسرائيلياً كنعانياً ويهودياً عبر القرون حقيقةً واقعةً أم تخيلاً أو تخييلاً أسطورياً؟
سأتوقف عند موقفٍ يكرره الباحث ويمزج فيه بين السردية الإسرائيلية التوراتية التناخية المنتمية إلى تراث المنطقة الديني والأسطوري وبين المشروع الصهيوني المتناسل من الهجمة الاستعمارية الغربية للعالم العربي والإسلامي والممثل الأكبر لها والمتبني لكلِّ مقولاتها وأدواتها وأهدافها. يقول الباحث في المجلد الأول حول شرعية ولا شرعية الوجود الصهيوني في المسجد الأقصى: «ماذا لو حصل المحذور أسطورياً عند المسلمين، وهو التقاسم الزماني المكاني للحرم القدسي (هضبة الهيكل) ما دامت قدسيته مشتركة لأتباع الدينين؟! هنا نتساءل بحقٍّ وتحقيقٍ ونشداناً للحقيقة، لماذا يسمح الإسرائيليون المسيطرون على المكان عسكرياً وسياسياً منذ عقود، والمدعومون غربياً إعلانياً وتاريخياً ودينياً وعسكرياً وسياسياً، يسمحون لنا بتدنيس ما يعتقدونه مكاناً لقدس أقداس هيكلهم وبيت هامقداشهم، ونقيم نحن المسلمين الدنيا ولا نقعدها إذا ما حصلت أيما زيارةٍ يهوديةٍ مشتركةٍ للمكان الذي هو تاريخياً لهم باعتراف القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وسلوك الصحابة وأقوال علماء الأمة؟!» (ص83).
هنا لا بدَّ من وقفةٍ لاستيعاب جذور المشروع الصهيوني الاستيطاني في فلسطين المتزامن والمتآمر مع المشروع الاستعماري الغربي بعيداً عن الانجرار وراء سحر السرديات التوراتية التي اندثر واندمج العرق الذي تتحدث عنه وما اليهود المهاجرون (الاشكناز) إلا عرق سلافي تركي من الشعوب القفقاسية والخزرية التي تدينت لأسبابٍ سياسية بالديانة اليهودية في القرنين السابع والثامن الميلاديين ولا يمتون للسردية التوراتية بأيّ صلةٍ عرقية أو تاريخية، ثم أن عمر مسجد القدس الذي بناه الوليد بن عبد الملك يقارب 1400 عام، أي أكثر من العمر الافتراضي لهيكلٍ لم تثبت أيٌّ من المسوحات الأركيولوجية الصهيونية نفسها أيَّ أثرٍ لوجوده.
يصبح هنا طرح الباحث خارج إطار الصراع الحقيقي السياسي والعسكري ويدخلنا في صراع سرديات منحولة ولا تاريخية، وعلينا أن نفهم الصراع العربي الصهيوني كصراعٍ بين أمَّةٍ تمَّ اغتصاب أرضها وتمَّ إحلال شعبٍ هجين من جنسياتٍ وأعراقٍ مختلفةٍ متلفعين بسرديةٍ لم يثبت لها حضورٌ في هذه الأرض إلا حضورٌ قبليٌّ كحضور باقي القبائل السامية الكنعانية في هذا المكان من العالم.
في الجزء الثاني من المجلد الأول والمعنون «حوارات ومراجعات مع المصادر والمراجع والنظريات» يحاور الباحث مجموعة من الكتب والأبحاث ذات العلاقة بمقولات البحث، وهذه الأبحاث هي:
1. «التاريخ القديم للشعب الإسرائيلي» لتوماس طومسون والذي يستعرض به الطراونة مقولات تؤكد بعضَ ما ذهب إليه في مقولاته التأسيسية.
2. «اختلاق إسرائيل القديمة وإسكات التاريخ الفلسطيني» لويتلام، وهو بحثٌ يؤكد أيضاً بعض مقولات الكتاب أيضاً.
3. «التوراة اليهودية مكشوفة على حقيقتها»، وهو بحث آثاري ليسرائيل فنكلشتاين، ويؤكد أيضاً بعضَ مقولات الكتاب.
4. «تاريخ أورشليم والبحث عن مملكة اليهود» لفراس السواح، ويؤكد بعضَ مقولات الكتاب.
5. «نقض شريعة الهيكل وكيف تعود القدس» لعبد التواب مصطفى، وهو كتابٌ أصوليٌّ مؤدلجٌ يدافع عن مقولاتٍ تراثيةٍ ينتقدها الباحث الطراونة.
6. «مغالطات اليهود وردّها من واقع أسفارهم» لعبد الوهاب عبد السلام طويلة، وهو كتاب يتحدث حول أسطورية السردية التوراتية ولا تاريخيتها.
7. «فلسطين المتخيلة: أرض التوراة في اليمن القديم» لفاضل الربيعي، وهو بحثٌ لغويٌّ يحاول إثبات أن أرض الهيكل والتوراة كانت في عسير في اليمن.
8. «تاريخ القدس عبر العصور» لإسحاق رباح، وهو بحثٌ يتبنى الموقف التراثي التقليدي في قراءة العلاقة بين اليهودية والإسلام.
9. «البحث عن يسوع: قراءة جديدة في الأناجيل» لكمال الصليبي، ويبين فيه أن «يسوع» لم يكن يسعى إلى إيجاد ديانةٍ خاصةٍ به، بل تلاميذه هم الذين فعلوا ذلك في زمنٍ لاحق.
***
في المجلد الثاني، يطوف الباحث في جذور السردية الإسلامية وجذور مقولاته التأسيسية وتقاطعاته مع الحنيفية الإبراهيمية وتقاطعاته الكبرى مع السردية اليهودية التناخية بالدرجة الأولى (كأمٍّ للأديان الإبراهيمية)، كذلك تقاطعاته مع السردية المسيحية.
سأتناول باختصار أهم المقولات التي تناولها هذا المجلد الثريُّ والمليء بالجرأة والملاحظات العميقة والذكية والتي تغوص عميقاً تحت القشور الظاهرة والمسيطرة في الخطاب الديني التراثي والتقليدي والمُستنز، ومنها:
- يشير الباحث بقوةٍ إلى أن انتماء السردية الإسلامية الحنيفي كان انتماءً تشريفياً وتكتيكياً مؤقتاً، وأن الإنتماء الحقيقي والعميق هو الانتماء للسردية التوراتية التناخية بكلِّ تفاصيلها. ويشير أيضاً إلى أن التحالف الذي تمَّ بين الإسلام والمثقفين الحنفاء كان تحالفاً سياسياً في بداية الدعوة التي تبحث عن أنصارٍ لها بين مثقفي قريش والعرب الذين في كانوا في معظمهم من الحنفاء، ويدلِّل على ذلك بانقلاب الإسلام على الحنفاء وشيطنة رموزهم كمسيلمة بين حبيب التميمي وطليحة الأسدي والأسود العنسي وغيرهم. ويتحدث الباحث برؤيةٍ مستنيرةٍ ناقدةٍ لكتب التراث التقليدية وكيف عملت على مسخ وشيطنة مسيلمة (رحمان اليمامة) وكيف قوَّلته ونسبت إليه تلك الآيات التافهات الساذجات التي تجعل منه أضحوكةً في التاريخ مع أنه لم يكن كذلك وأن ما نُسبَ إليه كان تلفيقاً أيديولوجياً مارسته السلطة الجديدة المنتصرة، ويستشهد الباحث بما كتبه المؤرخ المتخصص في تاريخ العرب قبل الإسلام جواد علي وتشكيكه ورفضه نسبة هذه الآيات المنحولة لمسيلمة بن حبيب.
- يحلِّل الباحث العودة عن قبلة بيت المقدس والتوجه بالقبلة لكعبة مكة وذلك بعد تأزم العلاقات بين الرسول ويهود المدينة وعدم اعترافهم برسالته، بل ومواجهتهم لها وتآمرهم عليها.
ويؤكد الباحث أن الصراع بين الثالوث الإبراهيمي كان صراعاً على الرموز الزمانية والمكانية وأن الاسلام حاول التهام هذه الرموز واحتكارها بالمقولة التي تكررت في السردية الإسلامية والتي تنص على أن الدين عند الله الإسلام بأثرٍ رجعي ليسهل التهام وتبني الرموز الزمانية والمكانية والسرديات التوراتية السابقة على الإسلام وتم تأكيد هذه المقولة بقوله تعالى في الآية 19 من سورة آل عمران «إن الدين عند الله الإسلام»، مع وجود قراءةٍ أخرى في قراءة ابن مسعود وتُقرأ «إن الدين عند الله الحنيفية»، وهذا يدل على محورية هذه الفكرة التي تتجاوز الزمان والمكان وتؤسس للاتاريخية الدين، وهي فكرةٌ يرفضها الباحث جملةً وتفصيلاً.
- يؤكد الباحث أن السردية التوراتية سيطرت على الفضاء السردي الإسلامي في القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف وفي السرديات الدينية الشعبية المرتبطة عميقاً بالسرديات التوراتية، يقول الباحث: «إن تاريخ الإنسانية إسلامياً قبل الإسلام هو أساطير بني إسرائيل بقضِّها وقضيضها، وهذا الأمر الصادم أساسه دينياً وتاريخياً وثقافياً قبل الإسلام وبعده أن اللاشعور الجمعي للمخيال العربي هو التاريخ المؤسطر لبني إسرائيل، على أساس أنهم يمثلون للتراث العربي المؤسرل ملخص تاريخ البشرية بحمولته الأسطورية المفبركة كلها، والتي جعلت المفسرين المسلمين والمُحدِّثين والقصَّاصين والمؤرخين والإخباريين العرب والمسلمين يغطسون إلى ما يتجاوز الأذقان في مفاصل التركيبة الإسرائيلية المؤسطِرة لإرث بني إسرائيل قبل الإسلام وبعده، على أساس أنهم أصل النبوة والسلطة والمعرفة والحقيقة» (ص 186).
- يقرأ الباحث بعمق نقطة الالتقاء والافتراق بين الحنيفية والإسلام، وأنها تركزت في أن الحنيفية كانت حركةً فكريةً دعويةً وعظيةً تسعى لتغيير المجتمع عبر تغيير أفكاره سلمياً «وادْعُ إلى سبيل ربكَ بالحكمة والموعظة الحسنة»، وهذا ما تبنَّاه الإسلام في بدايات الدعوة في مكة في فترة تحالفه مع الحنيفية، ولكنه عندما اصطدم برفض قريش لدعوته ومحاربتها له ورفض يهود المدينة لاحقاً للاعتراف برسالته اتجه نحو استراتيجيةٍ جديدةٍ هي الجهاد وفرض الدين بالقوة العسكرية ومواجهة المشركين بسلاحهم، وهنا بدأ الافتراق عن الحنيفية كما يرى الباحث باتجاه تبني الجهادية المكابية الهشمونية التوراتية، والتي هي الأساس للحركات الإرهابية والتنظيمات التي تدَّعي الإسلام وتنطق باسمه. يقول الباحث: «إن من يقرأ ويتأمل منعرجات ومنحنيات وانحرافات وتحيزات ذلك العهد وهو يفتح عيون العقلِ والقلب فإنه حتماً سيرى أن حنفية الحياد كانت مرحلةً في الدعوة الإسلامية، وأن إسلام الجهاد يتجاوز حنفية الحياد، بل لا ينتمي لها أصلاً، إلا إذا كانت حنفية الحياد (تُقيةً) مرحليةً قبل فقس بيضةِ الجهاد العملاقة المؤثرة إلى يوم التناد! لكن هذه البيضة العملاقة المتجددة مع الأسف هي المرتكز العملي والفقهي للجماعات الإسلامية المتطرفة التي أظهرت استمرار عوار حقيقة الإسلام الجهادي، ولم تشوهه أبداً عندما عادت إلى معينه الإرهابي الذي نشر الإسلام بالقوة بإرهاب العدو، ما يستوجب الجراءة الفكرية في إعادة النظر المدقق في تاريخية الإسلام القائم على الغزو وإخضاع الخصوم بدلاً من الادِّعاء بأنهم يشوِّهون الإسلام! فعلى الإسلام أن يتجاوز الإسلام قبل أن يقضي الإسلام على الإسلام!» (ص 216).
- يتحدث الباحث عن دور «نبونيد» آخر ملوك بابل في نشر فكرة التوحيد عند حنفاء الجزيرة العربية وتأثيره كذلك في كتَبة التوراة في بابل باتجاه التوحيد اليهودي، ويشير إلى أن «نبونيد» عندما فرَّ من فارس التجأ إلى تيماء في الجزيرة العربية واتَّصل هناك مع القبائل والمثقفين العرب وأثَّرَ فيهم، وهذا الادِّعاء يحتاج إلى إثباتاتٍ آثاريةٍ وتاريخيةٍ ووثائقيةٍ كبيرة لدراسة وربط أديان المنطقة بعضها ببعض ودراسة تأثيراتها من وجهة نظر تاريخية.
- يعقد الباحث مقارنةً بين مُلك بني أمية وبين بني إسرائيل ويبين أن بني أمية هم الذين حاولوا تأكيد ربط السردية الإسلامية عبر الأحاديث الموضوعة والمنحولة بالسردية الإسرائيلية وأنهم من حاول منح المسجد الأقصى –-كبيتٍ ضِرارٍ للكعبة في مكة خصوصاً في فترة سيطرة عبد الله ابن الزبير على الحجاز- وأنهم حاولوا أن يكونوا ورثة بني إسرائيل في القدس عبر المغالاة في بناء مسجدي القدس (الأقصى) وقبة الصخرة ومحاولة سليمان بن عبد الملك نقل مقر الخلافة من دمشق إلى القدس!
- هناك نقدٌ عميقٌ وجريءٌ للأحاديث الإسرائيلية التي تبنَّت السردية التوراتية وأعطت مبرراً وشرعيةً للفتح والذبحِ الذي قاده يوشع بن نون -غلام النبي موسى- في قصة فتحه وعبوره لفلسطين والتي لم يثبت تاريخياً وآثارياً أن يوشع بن نون قام بها أو أنه كان موجوداً تاريخياً، يقول الباحث: «أكملت الأحاديث النبوية ما أجملته الآيات، فهي تُقدِّم المصادقة الإسلامية شبه المباشرة على الإبادة والقتل والتشريد عندما تُصادق على توقف الشمس إعجازياً كي يُنهي يوشع بن نون -المجرم أسطورياً المقدس في اليهودية والإسلام- عمليات إبادته المقدسة للكنعانيين الأعداء ومن ساكنهم ومواشيهم وكلِّ كائنٍ حيٍّ يمتُّ بإيما صلةٍ إليهم! مع العلم أن جريمتهم الكبرى في اليهودية والإسلام هي أنهم وُجدوا مصادفةً على أرضٍ وعد الرب بها غيرهم بانحيازٍ إجراميٍّ لا يليق بإلهٍ إن أخذنا التفسير الحرفي للقرآن الكريم!» (ص286).
- شكَّلت دعوة الباحث الجريئة والعميقة إلى إعادة قراءة القرآن الكريم وإعادة تفسيره بعيداً عن التفسيرات التراثية الحرفية والمسكونة بالسردية التوراتية محوراً مهماً من محاور الخطاب الذي أراد الباحث تأكيده، وتشكِّل هذه الدراسة دعوةً مهمةً وجريئةً لتبني منهجٍ جديدٍ منفتحٍ في قراءة القرآن الكريم والأحاديث النبوية برؤيةٍ تاريخيةٍ مستنيرةٍ تخلّص القرآن مما علق به من تفاسير أصبحت هي محوراً للدراسات القرآنية وأصبحت مقدسةً ولا يجوز مناقشتها أو الطعن بها أو التعليق عليها، يقول الباحث: «التفسير الحرفي لآيات القرآن الكريم المتعلقة مباشرةً أو جوهرياً أو تلميحاً ببني إسرائيل، أو من يُدعون اصطلاحاً ببني إسرائيل، يجعل كتاب الله الكريم عبر مفسريه المُصرِّين على حرفية تفسيره كتاباً (عنصرياً) كما التناخ تماماً، على أساس أنه بتفسيره غير المجازي لقصص بني إسرائيل الأسطورية المختلقة من أساسها يجعله يظهر كأنه كتاب (عنصري) يُصرُّ على تشجيع الإبادة الجماعية المقدسة واستعباد الباقين، وكأن التضحية المتخيلة بالبشر والحيوانات والشجر ما هي إلا قرابين تُقدَّم محرقةً أمام هيكل الدولة العبرانية القديمة المتخيلة!» (ص288).
وفي الجزء الثاني من المجلد الثاني من هذا الكتاب القيم والعميق والكثيف والمتشعب والمعنون «مناظراتٌ تفكيكيةٌ تركيبيةٌ تكاملية» يتناول الباحث مجموعةً من الكتب التراثية والمعاصرة ذات الصلة بمقولات الباحث التأسيسية، وهذه الكتب هي:
- «قصص الأنبياء» لابن كثير، وهو كتابٌ تُراثيٌّ تأسيسيٌّ، وقد تناوله الباحث بنقدٍ عميقٍ وجريء.
- «الحلقة المفقودة بين أديان التعدد والتوحيد» لخزعل الماجدي.
- «القرآن والتوراة أين يتفقان وأين يفترقان» لحسن باش.
- «أقنعة التوراة» لناجح المعموري.
- «ربُّ الزمان: الإرث القرباني في المهاد الحضاري العروبي للأديان الإبراهيمية» لسيد محمد القمني.
- «التوراة السياسي – السلطة اليهودية: أنساقها ووظائفها» لناجح المعموري.
- «التلمود والصهيونية» لأسعد رزق.
- «سلالة يسوع (أسرة يسوع الحاكمة)» لجيمس د.طابور.
وتمثِّل معظم هذه الكتب والأبحاث قراءاتٍ تأويليةً وتفكيكيةً معاصرةً تحلِّل علاقات وارتباطات السردية الإسلامية بالسردية التوراتية بمحاولةٍ لتفكيك هذه العلاقة وفهم جذورها التاريخية العميقة.
هذا الكتاب منحازٌ للتنوير وللعقل، ويطرح بجرأةٍ نقدَ الفكر الديني برؤيةٍ معاصرةٍ مثقفةٍ ومطَّلعةٍ على ثقافات البشر ومعتقداتهم وتطورها عبر التاريخ، ويدعو إلى نقد الموروث الديني بعقلانيةٍ لإزالة التراكمات الخرافية التي احتلَّت فضاءه وأخفت مهاداته التاريخية التي أنجبته وعملت على تصنيمه وتأبيده وحرمانه من التطور مع حركة الحياة والتاريخ البشريين.
ويفتح الكتاب البابَ واسعاً لنقد الفكر التراثي في تمظهراته التاريخية والأيديولوجية ونقد التراث الذي دخل باب المقدس جنباً إلى جنب مع النصوص المؤسِّسة. إنه سِفرٌ قيِّمٌ يدعو لتجديد الفكر الديني بعيداً عن الفكر السلفي والخرافي وإعمالاً للعقل في نقد النصوص والتراث باتجاه تخليص السردية الإسلامية مما علق بها من تحريفٍ سياسيٍّ وأيديولوجيٍّ سلطويٍّ عمل مع الزمن والتخلف وقمع العقل في التاريخ الإسلامي إلى غلبة الجهل والتصنيم وقادنا إلى هذا الدرك الأسفل الذي نقفه الآن بين الأمم.