كتاب

في حجم بعض الورد

نحن بلد نستورد اشياء كثيرة من الخارج لعدم توفرها محليا. اما لأننا لا نصنعها مثل السيارات والهواتف الذكية ونكاشات الاسنان ، أو لأننا لا نزرعها مثل القهوة والرز والشاي. من الأشياء الأخرى التي نستوردها بالرغم من قدرتنا على انتاجها ولكن بكميات لا تلبي حاجتنا لها الورد مثلا. هناك أيضا ربما مواد خام هائلة نائمة في جوف الارض وعلى سطحها لا طاقة لنا على استخراجها ، لكننا نحصل علي مشتقاتها جاهزة عبر خدمة التوصيل غير المجاني ، كما هو الحال عندما تطرق الوجبات السريعة ابواب بيوتنا بحنان!

اذا استثنينا الورد الاحمر ، الذي تستعر أثمانه في عيد الحب مثلا ، نلاحظ عبر شاشات التلفزيون المحلية انه لا تكاد مناسبة أو لقاء أو ندوة أو مؤتمر صحفي يخلو من احواض أنيقة منسقة بحرفية تمتد مكدسة لتبهر الحاضرين الملتفين حول طاولة الاجتماعات الكبيرة ، وكأن لدينا فائض في انتاج الورد بجميع أنواعه وأشكاله وألوانه. ثم وبعد القاء صاحب الدعوة لبيانه والرد على اسئلة الصحفيين يقوم المكلف بالمهمة بتجميع الورد أنف الذكر ليرميه في الحاويات القريبة.

في بلاد اخرى لا نلاحظ مظاهر تأنق ورفاهية وبذخ كهذه الحاضرة بيننا ، على الرغم من تفاوت قدراتنا وقدراتهم. بل بالعكس تعقد الاجتماعات الرسمية عند بعضهم وكأنهم في خندق تحت الارض أو في « بركس» ، لا شئ يشي الا بالتركيز على المخبر لا المظهر ، وخاصة فيما يتعلق بمد مروج الورد لفترة محددة ،علما بأنهم ينتجون أطنان من الورد يصدرونها مقابل الملايين من العملات الصعبة.

قد يقول قائل ليت كل ما نستورده هو على شاكلة الورد وأثره الايجابي على النفس البشرية! ويتساءل أخر عن استمرار تدفق الأيدي العاملة الى سوقنا بينما لدينا فائض «محرز» من هذه القوى ، عاطلة أو معطلة عن العمل!

في أحد أحياء عمان كان هناك صبي أسماه أهله تفاؤلا «بالهمام». لكن هذا «الهمام» اعتاد ان يصحو من نومه بعد ان يكون أولاد الجيران قد عادوا من المدرسة. ففاته قطار التعليم المجاني.فما كان أمامه الا ان احترف اللعب والشجار مع أقرانه. لكنه في يوم ما تمكن من اقتناء هاتف محمول رخيص وفيه ما يلهي الصغير والكبير ، فهدأت حركته قليلا. قبل 4 سنوات سكنت الحارة عائلة نجت من الحرب في موطنها ، وكان احد أفراد هذه العائلة صبي من جيل «الهمام»!

في الصباح الباكر جدا كان الصبي الناجي من الحرب يخرج من بيته ولا يعود الا ساعة الغروب. اما «الهمام» فيظل كعادته نائما حتى الظهيرة. لكنه عند الغروب كان يخرج ويجلس امام بقالة « ابو الكرم» يدخن ويداعب هاتفه وما فيه من صور وأخبار. في كل يوم وفي نفس التوقيت يمر الناجي من الحرب من أمام البقالة عائدا الى بيته مطأطأ الرأس من التعب ، بينما تكون رأس «الهمام» منحنية منهمكة بالهاتف. لهذا لم يعرف احدهما الاخر! لا أحد في الحارة عرف طبيعة عمل الناجي من الحرب وكم كان يقبض ؟ ولا عرف أحد من أين كان «الهمام» يحصل على النقود ليدخن ويشحن هاتفه؟

ذكرتني هذه الحكاية بالاشياء التي نضطر لاستيرادها ، وذكرتني أيضا بحجم بعض الورد الذي يمكننا ان ننتجه في أرضنا لو أنزل «الهمامون» الاخرون الهواتف المحمولة عن ظهورهم قليلا!