كتاب

موجودة لتبقى

ربما كان مفاجئاً للعلمانيين في اوروبا واميركا ان ينشأ فيهما ما يسمى بالحركات الدينية الجديدة او الوعي الديني الجديد او التجارب الدينية الجديدة، فقد استقر لديهم انه لا يمكن للدين، من حيث هو دين، ان يستعيد دورا له مشهودا في السياسة والاجتماع، وان يكون قوة يحسب لها حسابها في مجتمعات سيطرت عليها العَلْمنة وفرضت طغيانها واطمأنت الى ان «الدين» قد ولّى الى غير رجعة، او انه سيظل امرا شخصيا او مزاجيا (كاختيار الملابس او اقل اهمية).

ان الاديان كلها في عالم اليوم لا تكتفي بالدفاع عن خصوصياتها من حيث هي خيارات فردية او جماعية، ولكنها تريد لتكون صاحبة رأي مسموع في تشكيل العالم سياسيا واجتماعيا وثقافيا. وتلك هي على وجه التحديد خلاصة الاطروحة العلمية التي يتضمنها كتاب «خوسيه كازانوفا» (الاديان العامة في العصر الحديث) الصادر عام 1994 والذي ترجم الى العربية وصدر عن مركز دراسات الوحدة العربية عام 2005 في بيروت.

لقد ذهب خوسيه كازنوفا في مقدمة الكتاب الذي جمع فيه محاضراته وخلاصة مناقشاته في مؤتمرات وحلقات دراسية في عدد من الجامعات الاميركية، الى أنه يستخلص عبرتين اثنتين من «الظاهرة الدينية» اولاهما ان الاديان موجودة لتبقى، وبذلك يكون قد تبدد احد احلام ما يسمى بعصر التنوير وثانيتهما وهم الاكثر اهمية ان الاديان سوف تظل تضطلع بأدوار عامة بارزة في البناء المتواصل للعالم الحديث، وهنا يرى خوسيه كازنوفا ضرورة اعادة التفكير منهجيا بالعلاقة بين الدين والحداثة، او بالادوار المحتملة التي قد تؤديها الاديان في النطاق العام للمجتمعات الحديثة.

لقد تناول المؤلف في كتابه خمس حالات للحضور الديني/السياسي/الاجتماعي المسيحي في اوروبا واميركا، فكتب عن الانتقال من دولة الكنيسة الى سحب الاعتراف بالكنيسة في اسبانيا، وعن الانتقال من كنيسة الامة الى المجتمع المدني في بولندا، وعن الانتقال من كنيسة النخبة الى كنيسة الشعب في البرازيل، ثم عن «البروتستانتية الانجيلية وتحولها من دين مدني الى فرقة دينية أُصولية ثم الى يمين مسيحي جديد.. ثم عن الكاثوليكية في الولايات المتحدة وتحولاتها.

وانه لواضح ان معطيات هذه التجارب المسيحية في اوروبا واميركا تؤكد ان العلمانية قد اصبحت في هذه المواطن قشرة خارجية لا تعكس حقيقة العوامل الفاعلة في مجتمعاتها، في الوقت الذي يُراد فيه ان تكون ضربة لازم في البلاد العربية والاسلامية، مع ان الاسلام دين مشتبك في الحياة في شتى تجلياتها، ومع ان المسلمين لم يعرفوا سلطة كنسية في تاريخهم.

ثم ان مما تكثر الشواهد عليه ان تقمص الدين في اشد ألوان السياسة والعلاقات الدولية سوءاً امرٌ متحدر منذ حروب الفرنجة على مشرقنا العربي الاسلامي (أو الحروب الصليبية كما سمّوها هم) الى حرب الرئيس الاميركي (الصليبية المقدسة كما بَدَرت على لسانه)، وان الدين كما يقول خوسيه كازنوفا «خلق ليبقى» اذ هو عنصر فطري في الانسان من حيث هو انسان ولا بد ان يتجلى حضوره في مجمل افعاله، وذلك ما لا يزال يكابر فيه المكابرون.