عندما شاهدت رئيس الوزراء التركي يلدريم يستعرض حرس الشرف في بغداد ، استفزني المشهد وفتح شهيتي للكتابة ، لأن كل فريق في المنطقة يريد أن يكتب التاريخ كما يناسبه ، ويخدم مصالحه وأهدافه ، في منطقة تتغير فيها التحالفات والأهداف بسرعة. ونحن ، لا يصيبنا سوى الذهول ، أمام المشهد التاريخي المتقلب ، الذي كان يستعد لحدث آخر ، كنا وما زلنا نتمناه ، لوقف التدهور، قبل أن تصل أمتنا الى قاع الهاوية وتخرج من التاريخ ، من بوابة أكبر وأشمل عملية تدمير ذاتي تواجهها الأمة.
ولكن الغريب والمدهش ، اننا نسير عكس الأتجاه المعقول المقبول ، في الوقت الذي تتعرض فيه بلادنا العربية للغزو الشامل ، وعلى كافة الصعد السياسية والأقتصادية والعسكرية والثقافية. وما يزيد الطين بلة ، هناك بيننا من يرحب بالغزو ويستورده ، بل يتوسله ويموله ، ويعشقه بالقدر الذي يكره فيه الحقيقة ، تحت شعارات غير مفهومة ، ولأهداف فيها الكثير من الألتباس والغموض.
الثابت حتى الآن ، ونحن نقترب من موعد انعقاد مؤتمر استانة المنتظر ، أن التفاهمات الأقليمية والدولية هي التي تقرر شكل اعادة ترتيب البيت العربي ، حسب مصالح تلك الدول المنخرطة في الأزمة على الصعيدين الأقليمي والدولي. وهذه الدول تتجاهل أو تتناسى أن الأمة العربية بكل طوائفها الدينية وأطيافها السياسية ، أهم وأكبر عناصر تكوين المنطقة ، وربما الشرق عامة.
ومن خلال زيارة يلدريم أرى أن الحراك التركي المتواصل والمتقلب هدفه اخراج تركيا من مأزقها الداخلي أولا. فحكومة يلدريم تريد تهدئة الأوضاع مع جيرانها ، بهدف التفرغ لحل مشكلتها الأمنية الداخلية عبر مواجهة وملاحقة مسلحي حزب العمال الكردستاني ، وبالتالي توسيع الحزام الآمن داخل الأراضي السورية تحت هذا العنوان ، مع ضرورة التذكير بأن الحكومة التركية كانت تضع في مقدمة أولوياتها اسقاط النظام في دمشق وتفكيك الدولة ، لأعتقادها واهمة بالفوز بحصة أكبر من الغنائم.
اعتقد أن القادة الأتراك يعرفون ، أن الأكراد في العراق وسوريا وتركيا وايران لا يشكلون نسيجا عقائديا فكريا واحدا ، ولا يجمعهم هدف سياسي واحد أو مصلحة واحدة ، كما لا يشكلون طبقة اجتماعية موحدة ، لذلك هناك الكثير من التباين في الخطط المرحلية والأهداف الأستراتيجية ، وهي عناصر مهمة تسعى الحكومة التركية الى توظيفها في صراعها مع مسلحي حزب العمال الكردستاني.
لكن هذا لا يعني أن كل شيء على ما يرام ، وأن الواقع التركي في احسن الأحوال ، كل خطوة تتقدمها تركيا خارج حدودها تجد أمامها ألف عقبة وعقبة ، لأن الساحة مزدحمة باللاعبين ، وقد ظهر سوء التفاهم مع الأدارة الأميركية التي تدعم الأكراد الى العلن ، كذلك ايران التي تتطلع الى ما حولها لتوسيع مجالها الحيوي والحفاظ على مصالحها ومصالح الحلفاء ، وقد تتضارب المصالح الأيرانية مع مصالح تركيا ، والوضع قابل للتصعيد في أي وقت ، وبشكل يقلق موسكو الواقفة بين الطرفين.
هذا التعارض في المواقف والمصالح والأهداف يقلق الجميع ، بعدما سكتت المدافع الى حد ما ، لأن فشل الحوار السياسي في مؤتمر استانة ، سيشعل فتيل الأقتتال مرة أخرى ، خصوصا بوجود الكثير من الأطراف التي تعتبر نفسها خاسرة في حال التوصل الى حل سياسي في سوريا ، خصوصا تلك التي راهنت ، على تفكيك الدولة في سوريا وتغيير خريطة المنطقة ، على قاعدة طائفية وعرقية ، ولا تزال عالقة في الماضي ، بحيث لم تأخذ بالحسبان التغيير الجذري الذي قد يطرأ على السياسة الخارجية الأميركية في ظل الأدارة الجديدة مع قدوم الرئيس المنتخب ترامب.الذي لا يستطبع احد أن يتنبأ بردود فعله.
انهم يعيدون ترتيب بيتنا العربي !
12:00 9-1-2017
آخر تعديل :
الاثنين