كتاب

انهم يعيدون ترتيب بيتنا العربي !

عندما شاهدت رئيس الوزراء التركي يلدريم يستعرض حرس الشرف في بغداد ، استفزني المشهد وفتح شهيتي للكتابة ، لأن كل فريق في المنطقة يريد أن يكتب التاريخ كما يناسبه ، ويخدم مصالحه وأهدافه ، في منطقة تتغير فيها التحالفات والأهداف بسرعة. ونحن ، لا يصيبنا سوى الذهول ، أمام المشهد التاريخي المتقلب ، الذي كان يستعد لحدث آخر ، كنا وما زلنا نتمناه ، لوقف التدهور، قبل أن تصل أمتنا الى قاع الهاوية وتخرج من التاريخ ، من بوابة أكبر وأشمل عملية تدمير ذاتي تواجهها الأمة.

ولكن الغريب والمدهش ، اننا نسير عكس الأتجاه المعقول المقبول ، في الوقت الذي تتعرض فيه بلادنا العربية للغزو الشامل ، وعلى كافة الصعد السياسية والأقتصادية والعسكرية والثقافية. وما يزيد الطين بلة ، هناك بيننا من يرحب بالغزو ويستورده ، بل يتوسله ويموله ، ويعشقه بالقدر الذي يكره فيه الحقيقة ، تحت شعارات غير مفهومة ، ولأهداف فيها الكثير من الألتباس والغموض.

الثابت حتى الآن ، ونحن نقترب من موعد انعقاد مؤتمر استانة المنتظر ، أن التفاهمات الأقليمية والدولية هي التي تقرر شكل اعادة ترتيب البيت العربي ، حسب مصالح تلك الدول المنخرطة في الأزمة على الصعيدين الأقليمي والدولي. وهذه الدول تتجاهل أو تتناسى أن الأمة العربية بكل طوائفها الدينية وأطيافها السياسية ، أهم وأكبر عناصر تكوين المنطقة ، وربما الشرق عامة.

ومن خلال زيارة يلدريم أرى أن الحراك التركي المتواصل والمتقلب هدفه اخراج تركيا من مأزقها الداخلي أولا. فحكومة يلدريم تريد تهدئة الأوضاع مع جيرانها ، بهدف التفرغ لحل مشكلتها الأمنية الداخلية عبر مواجهة وملاحقة مسلحي حزب العمال الكردستاني ، وبالتالي توسيع الحزام الآمن داخل الأراضي السورية تحت هذا العنوان ، مع ضرورة التذكير بأن الحكومة التركية كانت تضع في مقدمة أولوياتها اسقاط النظام في دمشق وتفكيك الدولة ، لأعتقادها واهمة بالفوز بحصة أكبر من الغنائم.

اعتقد أن القادة الأتراك يعرفون ، أن الأكراد في العراق وسوريا وتركيا وايران لا يشكلون نسيجا عقائديا فكريا واحدا ، ولا يجمعهم هدف سياسي واحد أو مصلحة واحدة ، كما لا يشكلون طبقة اجتماعية موحدة ، لذلك هناك الكثير من التباين في الخطط المرحلية والأهداف الأستراتيجية ، وهي عناصر مهمة تسعى الحكومة التركية الى توظيفها في صراعها مع مسلحي حزب العمال الكردستاني.

لكن هذا لا يعني أن كل شيء على ما يرام ، وأن الواقع التركي في احسن الأحوال ، كل خطوة تتقدمها تركيا خارج حدودها تجد أمامها ألف عقبة وعقبة ، لأن الساحة مزدحمة باللاعبين ، وقد ظهر سوء التفاهم مع الأدارة الأميركية التي تدعم الأكراد الى العلن ، كذلك ايران التي تتطلع الى ما حولها لتوسيع مجالها الحيوي والحفاظ على مصالحها ومصالح الحلفاء ، وقد تتضارب المصالح الأيرانية مع مصالح تركيا ، والوضع قابل للتصعيد في أي وقت ، وبشكل يقلق موسكو الواقفة بين الطرفين.

هذا التعارض في المواقف والمصالح والأهداف يقلق الجميع ، بعدما سكتت المدافع الى حد ما ، لأن فشل الحوار السياسي في مؤتمر استانة ، سيشعل فتيل الأقتتال مرة أخرى ، خصوصا بوجود الكثير من الأطراف التي تعتبر نفسها خاسرة في حال التوصل الى حل سياسي في سوريا ، خصوصا تلك التي راهنت ، على تفكيك الدولة في سوريا وتغيير خريطة المنطقة ، على قاعدة طائفية وعرقية ، ولا تزال عالقة في الماضي ، بحيث لم تأخذ بالحسبان التغيير الجذري الذي قد يطرأ على السياسة الخارجية الأميركية في ظل الأدارة الجديدة مع قدوم الرئيس المنتخب ترامب.الذي لا يستطبع احد أن يتنبأ بردود فعله.