أ. د. إبراهيم عثمان واحدٌ من عُمُد علماء الاجتماع في الأردن والعالم العربي. عمل أستاذاً لعلم الاجتماع في الجامعة الأردنية سنين طويلة، كما عمل في دول الخليج أيضاً في كتابه «ريفيَّ متمرّد» الصادر حديثاً عن دار الشروق للنشر والتوزيع في عمّان.
يحدّثنا عن انطباعاته حول مستويات التعليم الجامعي في الأردن. حديث يتميز بالصراحة والشفافية.
«لعبت سياسة التمييز والإقصاء دوراً أساسياً في تراجع مستويات التعليم الجامعي في الأردن، ولا يمكن العودة إلى إحياء التعليم الجامعي إلا بالعودة إلى معايير اختيار عامة لدخول التعليم الجامعي، معايير موضوعية تحقق حق المساواة والمواطنة الواحدة، سواء من حيث اختيار الطلبة أو أعضاء هيئة التدريس».
المرجع السابق ص191
وحتى يتم ذلك لا بدّ – في رأيه- من «إعادة بناء التعليم المدرسي والتحوّل فيه من مخزون الذاكرة إلى تنمية مهارات التفكير المنطقي والعلمي».
ما أشار إليه د. إبراهيم عثمان هو إحدى سلبيات التعليم المدرسي لا في الأردن فحسب بل في جميع أقطارنا العربية.
ما زال أسلوب الحفظ والتلقين هو المسيطر على العملية التعليمية في مدارسنا.
تنمية المهارات الإبداعية وتشجيع التفكير النقدي يكادان يغيبان عن مناهجنا الدراسية. وفي نقد جريء لتدهور البيئة التعليمية الجامعية يقول هذا الأستاذ الأكاديمي :
«الجامعة جزء من المجتمع، وفي البلدان العربية بدل أن تلعب دوراً ريادياً قيادياً، تتأثر بمحيطها الاجتماعي، تتكيف معه، وبهذا ساهمت الردّة إلى التجمعات الأولية في إحياء وتعزيز العشائرية والجهوية في الجامعات، كما أدّى التمييز ومحاولات الاستحواذ والإقصاء إلى حرمان الجامعة ممن يستحقون دخولها طلبة كانوا أم معلمين» ص190.
مع الأسف ما زال هذا الدور الريادي غائباً أو شبه غائب عن جامعاتنا العربية، عكس ما هو سائد في الجامعات الأوروبية والأمريكية المرموقة !
وبالضرورة فإن واقعاً كهذا أدّى إلى هذا التراجع إن في المستوى التعليمي أو البحثي، والمؤسف أن هذا التراجع مستمر إلى الآن !
وفيما يتعلق بخصائص عضو هيئة التدريس الضرورية يشير المؤلف إلى أهمّها وهي «معرفة جيدة بميدانه ومتابعته ولتطوراته، والتمسك بأخلاقيات المهنة ومهارات الاتصال والتوصيل». ص186
وفي نقد لاذع لسلوك بعض أساتذة الجامعة – وهي ظاهرة تشترك فيها الجامعات العربية بصورة عامة – يشير إلى أن بعض هؤلاء يطلبون من الطلبة شراء كل ما كتبوا كشرط للنجاح». ص186
وبصراحة تخالطها المرارة يضيف عالم الاجتماع هذا قائلاً: «كنت أخجل أحياناً أثناء مناقشة الرسائل من أعضاء هيئة تدريس يقعون في أخطاء لا يفترض الطالب مبتدأً أن يقع فيها.
كثيرون منهم ليس لديهم التكوين المعرفي اللازم، من هذا سوء التعامل مع المفاهيم وعلاقتها التي تشكل ضمن منطق المعرفة». ص187
والسؤال هنا: كيف تمت عملية اختيار أمثال هؤلاء ليكونوا أعضاء تدريس في الجامعة ؟
هل هي المحسوبية ؟ هل هي القبلية والعشائرية ؟
أكثر من هذا فالمؤلف يشير إلى سلوكيات غير لائقة ببعض أعضاء هيئة تدريس جامعيين حتى يقبلون من بعض طلابهم الأثرياء أن يقدموا لهم خدمات لا يجدر بأستاذ جامعي أن يقبلها. ومقابل ذلك فالنجاح مضمون !
بالطبع هنا لا يُعمم، وهي ظاهرة موجودة في جامعات عربية أُخرى، والكل يدركها، وقد أشار هذا البروفسور إلى امثلة كان شاهداً عليها لا أودّ ذكرها!
ينتقد المؤلف معايير اختيار أساتذة الجامعة التي كان يعمل فيها.. ينتقد الولاءات والانتماءات التي كثيراً ما تخترق معايير الكفاءة !
وبعد، لقد عَرّى هذا الأستاذ الأكاديمي عيوباً تهيمن على بيئة التعليم الجامعي.
انتقد غياب «أخلاقيات المهنة». انتقد خضوع الجامعة لمحيطها الاجتماعي في كثير من الأحيان والتكيف معه بدل أن تفرض عليه ضرورة التكيّف لمعاييرها هي !
في الختام وحتى نتجاوز هذه السلبيات فإنني أدعو إلى تفعيل مفردات التربية الوطنية في مدارسنا وفرض منهاج هذه المادة على طلاب مدارسنا منذ سنّ مبكرة حتى تتعزّز لديهم قيم «المواطنة».
مفردات التربية الوطنية هي التي تقضي مستقبلاً على العصبيات العشائرية والقبلية والجهوية، فينشأ الطالب معتزاً بمواطنيته التي تكسبه الاحترام والتقدير.
«التربية الوطنية» قادرة على تقويم السلوك وتعميق الحسّ الوطني في النفوس.