لا ريب ان احدنا يُحبّ ان يفيد مما يقرأ في الصحف، وأن يزداد به فهماً لحوادث الزمان التي تتناهى الينا اخبارها كل آن، لكن تكاثر الفضائيات واتيانها بالروايات المتظاهرة للحدث الواحد وازدحامها بالمحللين السياسيين يضع ما نقرأ من كتابات في الصحافة الورقية في واحدة من دائرتين لا يعدوهما، فإمّا أن يكون ثمة تسكع (ذكي او غبي) بين ركام ما تكاثر من كلام، أو ان يكون ثمة دروشة (ذاتية او ايديولوجية) تزعم العلم ببواطن الأمور فلا تزيد على ان تجعل الناس اكثر حيرة في فهم الوقائع او اكثر حيرة في تأويلها، أمّا ثالث الاحتمالات فمرفوع او يكاد.
ثم ان بعضهم ليمدّ لشهوة الكلام في تسكّعه مداً شنيعاً، مع علمه بأنه إنّما «يُغمّر وراء الحصّادين» ويلهث في غبار الآخرين. وإن لهؤلاء لوقفات في تضاعيف ما يتولون كِبَره، يصوبون فيها ويصعدون فيما قطعوه من ثرثرة متصلة، وقد بلغ بهم العُجْبُ مبلغاً بعيداً، حتى اذا اطمأنت بهم عقولهم الى أنهم جاءوا بما لم تأتِ به الاوائل تنفّسوا الصعداء واستأنفوا المسيرة الظافرة التي يتوهمون، وجلدوا المساكين امثالنا بسياط عبقرياتهم وكان ما كان من زيفٍ ومن دَجل.. وما اعتذارك من قولٍ اذا قيلاً..
على أن في جملة هؤلاء نَفراً يعرض مهارته لطالبيها، ويؤجّر ذكاءه، ويبسط بضاعته المُزجاة على العَتبات، وفي القِوى المتدافعة والحوزات المتراشقة من يسوم هذه البضاعة او من يُغمض فيها، على قاعدة أنّ العملة الرديئة تطرد العملة الصحيحة، وان ناقدي العملات (الأفكار، الدعاوى، التخرّصات) قلّما يكون لهم صوت مسموع حين يُحكم فساد العقول والأخلاق الطوق على العباد.
يقول بعضهم إن مهمّة الصحافة الورقية اليوم هي مهمة ثقافية بالدرجة الأولى، وهي مهمة تستطيع أداءها بامتياز اذا هي باشرتها بجدية ومسؤولية اخلاقية وشمول نظر، ويذهب في هذا الاتجاه من يرى إمكان ان تكون الصحيفة «جامعة مفتوحة» وأن يهفو الى صفحاتها طلاب العلم والأدب والمعرفة، وأن يكون محصول ذلك شعباً مُثقفاً قادراً على تحقيق نهضته المرتجاة في شتى مضامير الحياة..
وقد انتبه الغربيون الذين نضاهئم في الحق والباطل الى الدور الثقافي للصحافة، فكانت ملاحق صحفهم الثقافية ترجمة وافية لهذا الانتباه، وبلغ من أمر هذه الملاحق (الأسبوعية) ان صارت من مقتنيات المواطنين يقرأون صفحاتها التي قد تبلغ المئات على مدار الأسبوع، كما هو الأمر في ملحق اللوموند الفرنسية الثقافي ومثيلاتها في العواصم الغربية..
ولقد يقول قائل إن السياسة غالبة علينا وتأخذ منا مطالع الأنفاس وهذا هو فرق ما بيننا وبين الأوربيين والأميركان، فنقول في ذلك إنهم مغموسون بالسياسة أكثر منّا (وعلى تمكّن واستفاضة)، ولكنهم يعرفون حاجاتهم وينتهجون اليها السُبُل على عكس ما نحن فيه، فضلاً عن ان كتّاب السياسة فيهم أقرب الى أن يكونوا «علماء سياسة» و»فلاسفة علم اجتماع»، فشتّان حال وحال، وما أبعد ما بينهما..
حالان متباعدان
01:00 3-1-2017
آخر تعديل :
الثلاثاء