في مشهد غير مألوف ، أطفأ الزميل العزيز طلال سلمان أضواء مكتبه ، وقناديل كلماته ، واغلق الباب خلفه ، في مقر جريدة «السفير» ، معلنا انسحاب « السفير» اللبنانية – العربية من الساحة ، باختيار الصمت القهري ، بعدما ظلت مسكونة بالرحيل طوال الفترة الماضية ، لأسباب مادية قاهرة فرضها الواقع اللبناني والعربي ، وهو الواقع الذي يهدد وجود أكثر من صحيفة مطبوعة في الوطن العربي الكبير ، لاتنتمي الى دول الثروة ، وتعاني من فوضى الأعلام الألكتروني.
قد يكون انسحاب السفير من الساحة العربية أقٌرب الى تراجع القضية القومية والعلمانية ، وخسارة التيار الذي مثلته السفير ، وهو التيار الوطني والقومي والأنساني ، امام هجمة مد التيار السياسي الديني ، وظهور سلالة القتلة القادمين من عتمة كهوف الماضي ومن خارج العصر والمدنية ، ومن الكارهين لكل ما هو جميل ، الذين يغتالون الحياة ويبجّلون الموت.
وعندما أتحدث عن « السفير « بألم ، أو بانحياز عاطفي وعقلاني ، فانا لا اجامل ولا أبالغ ، لأنني كنت شاهدا على ولادتها في العام 1974 ، فكانت أجمل البدايات لصحيفة لبنانية جديدة ، وكنت من المواظبين على قراءتها والمتعصبين لكل ما تمثله من عقيدة سياسية وقضايا وطنية وقومية وانسانية. وعندما غادرت بيروت ، وهجرت العمل في صحافتها ، يأخذني الحنين الى ما مضى ، وفي ذاكرتي شيء من السفير ، حتى أدمنت على زيارة موقها الألكتروني مع فنجان قهوة الصباح.
بهذه المناسبة لا اريد الكتابة عن سيرة الصحيفة أو مسيرتها المهنية ، لأنها مدرسة مهنية تختلف عمّا حولها في فكرها ولغتها ونهجها وصمودها ، حيث نجحت في بث الوعي واحياء ألآمال في النفوس خلال الأجتياح الأسرائيلي لبيروت ، وتبنت شعار ( صوت الذين لا صوت لهم ) وانحازت الى قضايا امتنا وهموم الفقراء وكرامتهم بأصدق معاني الألتزام وابهى صورة.
مجد « السفير « أنها دافعت عن هويتها ومخلصة لها ، وحافظت على خطها ودربها ونهجها ، ولم ترتد على ذاتها وتاريخها امام كل أزمة أو مأزق أو منعطف ، ولم تستبدل مرجعيتها الوطنية اللبنانية والقومية العربية والقضايا الأنسانية ، على الرغم من وجودها في مدينة غير عادية ( بيروت ) ، وفي بلد اصيب بآفة التلوث الطائفي والسياسي والأجتماعي ، وتراجع فيه الحراك الفكري والثقافي والأعلامي وحرية التعبير ، في ظل ازدهار المال السياسي ، ومجد امراء الطوائف وتجار الحروب.
لم يعد في وسع الصحيفة الأستمرار في واقع سياسي عربي سيريالي لا ينتج سوى القتل وموت المدن ، واغتيال الكلمات والصحف والحياة. لذلك اختارت «السفير» وقت رحيلها الخاص ليلة العام الجديد ، بكل ما يحمل هذا الرحيل من حزن وذكرى موجعة ، ومن فراغ مفتوح على الزمن ، لا يسده سوى جريدة «السفير» بامتدادها العربي ، فهي صحيفة لبنان في بلاد العرب وصحيفة العرب في لبنان.
وهذا الغياب القهري ، سببه ألأزمة المالية ، المرتبطة بالأزمة اللبنانية والعربية ، الناجمة عن انتشار القوضى والعنف والأقتتال العربي في عملية التدمير الذاتي غير المسبوقة ، اضافة الى غياب الأعلان التجاري وانخفاض عدد قراء الصحف الورقية. استغاثة الصحف في هذا الواقع تستدعي وجود خطة رسمية لتقديم العون والدعم للصحف الورقية ، تبدأ بزيادة اسعار الأعلان الرسمي ورفع سعربيع الصحيفة ،وزيادة عدد الأشتراكات الرسمية ، كما يحتاج الى فزعة القطاع الخاص المقتدر لأنقاذ الصحف واخراجها من ازمتها المرحلية بتعاون اعلاني اوسع.
في النهاية ، سأكون متفائلا ، فأقول أن غياب السفير في هذه المرحلة التاريخية المصيرية ، لن يكون غيابا قطعيا ، لأنني أعرب مدى اصرار وصلابة وعناد الزميل طلال سلمان ، وانا اتمنى أن يكون غيابا مؤقتا ، لأنني في حالة الوعي ، لا اتصور بيروت بلا جريدة « السفير « التي هي من معالم الثقافة والصحافة والسياسة في لبنان ، البلد الذي يتجدد دائما رغم كل الكوارث والمتاعب والمصائب ، فيه ، ومن حوله... بانتظار ان يشعل الزميل طلال سلمان مصابيح مكتبه وقناديل كلماته من جديد ، على ايقاع صوت فيروز الذي يرد لنا روحنا ، ويعيدنا الى الزمن الجميل ، أو ذكراه.
في وداع «السفير» وانتظار العودة..
12:00 2-1-2017
آخر تعديل :
الاثنين